أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / آراء قكرية ونقدية / صورة الأب في رواية رجالي لِمليكة مقدم/ بقلم: ليدية منصوري

صورة الأب في رواية رجالي لِمليكة مقدم/ بقلم: ليدية منصوري

صورة الأب في رواية رجالي لمليكة مقدم

ليدية منصوري/ الجزائر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يُعَدُّ الأب أوّل رجل في حياة المرأة، وهو النموذج الذي تحدد في ضوء علاقتها معه تصوراتها ورؤيتها للرجل في مستقبل حياتها، هذه الصورة الغائبة التي قدمتها الروائية مليكة مقدّم في روايتها “رجالي” عن والدها في خطابها الموجه إلى رجلها الأول وتحدثت عنه تحت عنوان “الغياب الأول”. إذ لا يشكل مثالا وقدوة لرجل مستقبلها وفارس أحلامها، وبذلك تكون عقدة أوديب بارزة في الرواية بشكل عكسي، أو ربما تجاوزتها بشكل كلي، وهذا ما نلحظه في المقول السردي: “لم أبحث عنك في رجال آخرين. أحببتهم في اختلافهم لأبقيك غائبا. تفتحت على الحب مع أولئك الرجال يا أبي…”[1]

ذلك الأب صاحب القبعة الريفية، والسروال المشمر، والسترة الخفيفة، الذي تنعته بالجاهل الأمي، ويتجلى هذا في مواطن عدة في الرواية، مثل: “أنت الأمي”[2]، وأيضا في: “لا تعلم بذلك لأنك لا تجيد القراءة”[3]، وهو ما عزز جرأتها في البوح عن الألم الذي عاشته منذ الصغر، ومدى الهامشية التي عانت منها فقط لكونها بنتا؛ لتتشكل صورة الأب لديها في كونه أبا يفتخر دوما بأنه والد الذكور، ويلعن زوجته أم البنات، وفي هذا السياق، تقول الراوية: “كنت تخاطب أمي فتقول لها “أبنائي” عن أشقائي و”بناتك” عني وعن شقيقاتي، تلفظ “أبنائي” دائما باعتزاز، ويعتري نبرتك النزق، والهزء، والبغض والغضب أحيانا، وأنت تقول “بناتك”.[4] وهكذا وجدت البطلة نفسها تصرف النظر عن أن تكون أمّاً، ما دامت الأمومة تجلب كل هذه التعاسة والتمييز بين الذكور المبجلين والإناث اللواتي غير جديراتٍ بالحياة.

هذا القهر الذي شعرت به البطلة نتيجة التهميش والإقصاء والنظرة الدونية من والدها دفعها أنْ تبالغ في عنادها له وكرهه لدرجة أن تمنت له الموت “تمنيت هذه المرة لو تموت يا أبي”[5].

إنَّ الصورة التي ظهرت فيها شخصية الأب في الرواية لا تخرج عما هو معهود عن صورته في الرواية العربية، وخاصة تلك التي كتبتها كاتبات عربيات، فثمة صورة نمطية سلبية للأب في الرواية العربية، وربَّما عكست هذه النظرة مواقف تلك الأديبات من المجتمع وسلطته الأبوية البطريركية التي تتسلط على المرأة/ البنت/ الزوجة/ وكل ما هو أنثوي، فالأب هو مثال السلطة وربَّما شكل في اللاوعي تجسيدا للسلطة الأكبر تلك التي استقر عليها المجتمع. فليس والد مليكة فقط من يحمل تلك الأفكار السلبية عن الابنة، بل إنَّها صورة قديمة ومتجذرة في الوعي العربي الإسلامي منذ الجاهلية وحتى الآن، ومهما حاول القرآن الكريم التخفيف من حدتها إلا أنَّ الوعي وترسباته أكبر من التأثير الديني، فلم يلتفت الأب/ الرجل/ الذكر إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساء ما يَحْكُمُونَ (59) ﴾[6] .إنَّ الأب في الرواية يمسك بناته على هون وضِعَةٍ، فهن أقل مرتبة في نظره من أبنائه الذكور، إلى درجة أنه ينسب الذكور له “أبنائي”، والبنات لأمهن “بناتك”، تعميقا لهذا التجسيد المهين لوضع المرأة، فهم جميعا- ذكورا وإناثا- إخوة أبناء أم واحدة ورجل واحد، إنه الإقصاء وعدم الاعتراف.

إنَّ ما تحدثت به مليكة مقدم عن صورة الأب الغائب، يكشف عن مدى تمردها عليه ويظهر ذلك في اختيارها ضمير “أنت” في الخطاب، وفي توظيف هذا الضمير في مخاطبة شخص غائب أو تتمنى غيابه، كأنَّك تريد أنْ تستحضره أمامك مكتوفا ذليلا، وهنا تحاول مليكة مقدم التمرد على والدها الذي يمثل السلطة مرتين، مرة بإقصائه من السرد فلا يلوح إلا غيابا والثانية في محاولة قتله معنويا والتخلص منه.

لم يعد الأب في الرواية هو أب مليكة مقدم فقط، بل هو أب النموذج والمثال الذي يعكس مجتمع كامل، وبذلك تكون الرواية قد عالجت الموضوع من جانبين؛ جانب ذاتي يخصّ الساردة مليكة مقدم، وجانب يتخذ صفة العموم، تعنى به كل امرأة في هذا المجتمع المقهور بهذه السلطة وبهذا يكون المتن الحكائي عبر شخصية الأب قد عمم التجربة الذاتية للمؤلفة لتأخذ أبعادا عامة وبذلك تكتسب التجربة الذاتية صفة العموم، وهذا ما يطمح إليه السرد في التخييل الذاتي عبر مراوغته بين المرجعيات الواقعية والتخييل الروائي ذاته، إذ لا يمكن التوقف عند صورة الأب واعتبارها صورة أب مليكة وحدها، بل صورة كل أب مهووس ومعبأ بأفكار الرجعية والجهل والتخلف.

[1] – مليكة مقدم: رجالي، تر: د/ نهلة بيضون، دار الفارابي،ط1، بيروت لبنان، 2007، ص 21.

[2] – الرواية، ص 16.

[3] – الرواية، ص 21.

[4] – الرواية، ص 11.

[5] – الرواية، ص 15.

-[6] الآية 58-59 من سورة النحل.

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.