أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / الاجتماع بالحكومة/ بقلم: إبراهيم أمين مؤمن

الاجتماع بالحكومة/ بقلم: إبراهيم أمين مؤمن

الاجتماع بالحكومة

                                                   من رواية قنابل الثقوب السوداء

بقلم: إبراهيم أمين مؤمن

ـــــــــــــــــ

حان الموعد المحدد والتقى الرئيس مهديّ بالوزارة.

ولقد عزم في قرار نفسه ألّا يصدق كلامهم، فما تخفي صدورهم أكبر، ولذلك فقد قرر أن يعرف خبأ نفوسهم من خلال ملامح وجوههم وحركات أجسادهم التي تبدي تفاعلا مع الحدث.

 

قال: «بعد تخلّي صندوق النقد الدوليّ وكذلك تخلّي الجهات الأجنبيّة عنّا ليس لدينا إلّا الاعتماد على أنفسنا، فماذا تقترحون؟»

قال وزير المالية: «ليس أمامنا إلّا خيار واحد، هو دعوة الشعب للإسهام بماله مقابل إعطائهم شهادات استثمار تصرف أرباحها بعد فترة معينة.»

علق مهديّ على كلامه: «وكيف نحفّزه على شرائها؟  وكيف يثق هذا الشعب في دولة كادتْ تعلن إفلاسها حتى تحاشتْ ذلك ببيع القضية الفلسطينيّة على خلفية الاتفاقيّة الرباعيّة التي كانت تقضي بإخلاء قطاع غزة للإسرائيليين.»                زفر زفرة طويلة ثمّ استأنف: «لابدّ من إنجاز عمل كبير كي نستنفرهم على إخراج ما يملكون ثمّ يضعونه في البنك سواء بشراء شهادات استثمار أو غير ذلك. أعلمُ أنّهم مستَنفَرون قبل ذلك من خلال حملة التدشين التي قام بها رؤساء الأحزاب المختلفة، لكن هذا لا يكفي، لا يكفي بتاتًا، لابدّ من عمل كبير من جنس ما يُطلب منهم ولاسيما بأنّ غالبيتهم تحت خطّ الفقر.»

وزير التكنولوجيا: «يكفي يا سيادة الرئيس قيامنا بعملية أنهار الطائرات، فقد جلبت حب الشعب لك.»

علق مهدي: «ها أنت قلت، حب الشعب لي، فأين حب الشعب للحكومة؟»

لقد استدعى السؤال الصمتَ فخيم على المجلس، وبعضهم تصبب عرقا، فرائحة الكلام تدل بأنه يريد شيئا من الحكومة، وماذا يريد منها غير المال؟

نظر إليهم مهدي وقد تفجر حزنًا من داخله، لكن ما خف عنه حزنه بأن الأفضل منهم اتخذ موقفًا رافضًا (يقصد المجلس العسكري).

هبّ وزير السياحة وكسر الصمت وقال: «مصر بلد السياحة، وما ضُربتْ السياحة إلّا بسبب التوتر الأمني الداخليّ والخارجيّ، والضربة الموساديّة الأخيرة بتفجير الكنائس لم تاتِ من فراغ، حيث إنهم استغلوا النزاع المتجذر بين المسلمين والقبط على مرِّ التاريخ وعملوا على نزع فتيله ففجّروا هم من ناحية ومن ناحية أخرى قامت بعض التيارات المتطرّفة من التيار الإسلاميّ بالتفجير بسبب عداوات قديمة ترجع جذورها إلى اختلاف الديانات. هذه الضربة كانت بمنزلة دمار السياحة، أقصد أنّ السياحة مرتبطة دائمًا بالأمن الداخليّ، فإذا استطعنا أن نحافظ على الأمن ستنتعش السياحة، ويتوفر بعض الدعم.»

ردّ مهديّ ساخرا مستنكرا: «موت يا حمار، تريدني أن أعمل على توفير الأمن لأوفر حفنة من الدولارات للمصادم؟ ننتظر خمسة سنوات حتى يتوفر الأمن وتنتعش السياحة، وخمسة أعوام أخرى لنكسب ثقة الدول التي ترسل رجالها إلينا، ثم تأتي حادثة موسادية أخرى لتضرب السياحة فنعود إلى نقطة الصفر.»

رد الوزير عليه: «ما قصدت ما قصدته يا سيادة الرئيس!»

قال مهدي: «إذن أخبرني مقصدك بالتحديد.»

وضح الوزير: «أمران يا سيادة الرئيس: الأول أنّ انتعاش السياحة سينعش الاقتصاد، والآخر وهو الأهم أنّه من الممكن تحويل المصادم من معمل اختبارات يُنفق عليه إلى مشروع لإنتاج الأسلحة، فالعالم مقبل على حرب نووية، وهذا سيدفع الدول التي ستخوض الحرب بالدفع بعلمائها إلى FCC-2 لعلهم يتمكنوا من ابتكار سلاح أقوى من النووي فتنتهي الحرب قبل أن تبدأ. وعندها نطلب مبالغ ماليّة مقابل حضورهم، عندك مثلاً أمريكا وروسيا وحلفاؤهما سيرسلون علماءهم لدينا، وهذا ليس بجديد ، ونلمس ذلك في إبان الحروب الباردة التي كانت بين أمريكا وروسيا؛ فما بالك بحرب، وأيّ حرب، إنّها حرب عالميّة في عقيدتنا واسمها هرمجدون في عقيدة اليهود.»

أُعجب مهديّ بكلام وزير السياحة وانشرحَ صدره.ورغم هذا الإعجاب فلم يجد في كلامه ما ينمّ عن التضحية من أجل مصر.

استأذن وزير التعليم العالي والبحث العلميّ قائلا: «إنّ المسائل الفنيّة الخاصة ببناء المصادم ككلّ ستستغرق ما بين 5-7 سنوات، وهذه فترة تعتبر قصيرة نسبيًا إذا ما قارناها بالوقت الذي استغرق فيه عمل المصادم الجديد FCC-1 بجنيف والذي شيد بعد المصادم الأول HLC. وتكلفة مصادمنا FCC-2  قد تصل ما بين 250-300 مليار دولارًا حسب إحصائي وإحصاء المتخصصين لديّ، وهذه المبالغ  كبيرة جدًا على شعب يسكن الجحور ولا يجد شربة الماء بعد أن فقد نهر النيل في الزمن الغابر.»

عاود وزير الماليّة مُعلقًا على كلام وزير التعليم العالي والبحث العلميّ بعد أن أذن له مهديّ: «وهذه تمثل عبئًا كبيرًا على الحكومة،

وقد ترجعنا لعشر سنين إلى الوراء في وقت لدينا فيه عجز نسبيّ في الموازنة.»

ردّ مهديّ عليهما مشيرًا بسبابته تقترب وتبتعد عن وجهه: «لو كلنا يحبّ مصر لاستطعنا تشييده دون أىّ عناء، فمثلاً يا سادة ممكن تتبرعوا بنصف مرتباتكم أو حتى ربعها لمصر لحين الانتهاء من بناء المصادم، وممكن تجميد الزيادات السنويّة لمرتبات القوات المسلحة لفترة 2-4 سنوات مثلاً مثلاً.»

ساد الصمت المجلس، حيث اعترض الخوف حناجرهم فلم يستطيعوا الكلام. عيونهم اختلجتْ والتمعت نظرات غضبٍ سرعان ما اختفت تحت غيم الكظيم، أساريرهم تقلّصتْ، وجوههم اكفهرّتْ، أجسادهم أصابتها رعدة فور ذكر كلمة مهدي الأخيرة.

سارقهم مهديّ النظر، ولذلك قال لهم جميعًا بعد أن أخرج خبء نفوسهم: «أعلم ما يدور بأذهانكم، خسارة وألف خسارة، ولكن اعلموا إن لم نبدأ نحن المسئولون والحكام بتدعيم المصادم فلن أستطيع أن أحفّز الشعب واستنفره على التدعيم، وسيظلُّ متثاقلاً لا يودّ الحراك. وإن كان لا يجد شربة الماء، وإن كان يسكن الجحور فلديهم سواعد وعزائم قد تصنع المستحيل بشرط أن يجدونا نحن أهل تضحيةٍ وعطاء.» صمت مهدي لحظات، ثم لحظات أخر ثم قال: «لتكن شهادات استثمار المصادم المصريّ.»

بعد ذلك اعتدلَ في جلسته وتناول ورقة كانت مدونة فيها ما كان يضمره من قبل، وأخذ يتلوها كأنّه كأحد الكتب المنزّلة من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لفرط عزمه وإمضاء ما انتوى عليه بلا مناقشة مع أنّ الحزن والألم والحسرة يعصرون قلبه بسبب مواقف الوزراء المخزيّة ونقص عزيمة المجلس العسكريّ بشأن دعم المصادم.

قال مسطرًا لهم وللتاريخ كيف يكون رئيس جمهورية مصر العربية: «1-تخفيض مرتب رئيس الجمهوريّة بنسبة 70% لحين الانتهاء من بناء المصادم، ووضع كلِّ الهدايا والمنح التي تأتيه من الداخل والخارج لدعم المشروع.

2-إصدار قرار بوقف زيادة المرتبات السنويّة لأفراد القوّات المسلّحة لمدة ثلاث سنوات، وتُردّ إليهم في صورة منح بشرط نجاح المشروع.»

حملق في المجلس وأدار عينيه عليهم جميعًا ثمّ استأنف: «3-تخفيض مرتبات الوزراء بنسبة 30% مع وقف الزيادات السنويّة لحين الانتهاء من بناء المصادم.

4-وضع حد أقصى للأجور بحيث لا يتعدى ال … كذا…لحين الانتهاء من بناء المصادم، فإذا انتهينا ترجع الأجور كما كانت.

5-تخفيض مرتبات الكوادر الخاصة من عمال الشعب بنسبة 30%.

6-رفع الضرائب بنسبة 10% على شركات القطاع الخاص لحين الانتهاء من بناء المصادم.

7-حثّ المصريين وخاصة المقيمين في الخارج على شراء شهادات استثمار المصادم المصريّ بالنسبة التي يحددها البنك المركزيّ.

8-استقدام كلّ من له خبرة في بناء هذا الصرح على المستوى المحليّ والدوليّ.

9-تعمل المؤسسة العسكرية بكامل طاقتها للمساهمة بالمال والعمل حتى الانتهاء من بنائه.»

ثمّ همّ بالنهوض وترْك المجلس كما يفعل القاضي في نهاية الجلسة وهو يقول: «رُفعت الجلسة.»

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.