الرئيسية / حوارات / خديجة بن عادل: لولا الإبحار في عوالم الحرف ما عرفت النفس كمالًا

خديجة بن عادل: لولا الإبحار في عوالم الحرف ما عرفت النفس كمالًا

الأديبة خديجة بن عادل

خديجة بن عادل: لولا الإبحار في عوالم الحرف ما عرفت النفس كمالًا

 

سفيرة المرأة العربية في فرنسا

 

“نحن النائحون، النازحون، الباكون نرحل على أوطاننا مستضعفين في موكب جنائزي، كمن شيّعوه لمثواه الأخير… هكذا هو حال كل من أخرج من بلده مكرهاً، مرغماً ليخلف من وراءه جوقة الأوغاد، الذين عاثوا في الأرض فساداً، يتناحرون على حبّ الدينار، وعواء الأطماع، غافلين عن الحكمة من الفطرة الوجودية، الإنسانية. …”   هكذا تختصر المبدعة المغتربة بفرنسا بن عادل خديجة قصة وجعها ورحلتها مع الغربة، قبل عقدين من الزمن سجلت نفسها في قائمة الراحلين عن الوطن لأن جغرافية الوطن لم تعد تسع أحلامها وكأنها تقول” أن الزمن الذي يخاف فيه أهلنا عليه من الغربة انتهى، وجاء زمنٌ نحن في غربتنا نخاف عليهم من الوطن” حملت حقائبها ولم تترك دفاترها وأقلامها ليتصنع بهم مجدا إبداعية في بلاد الغربة.

‎مديرة الملتقى الأفروآسيوي للثقافات في نسخته الرابعة‎، سكرتير تحرير أول بمجلة «القلم الحر» سويسرا، سفيرة المرأة العربية في فرنسا‎، عضو جامعة شعراء الأبجدية الدولية‎، عضو مؤسسة الوجدان الثقافية‎، سفيرة الطفولة‎، عضو التجمع العربي للأدب والإبداع‎ وعضو أكاديمية السلام بألمانيا‎، من مواليد 1973 ببلدية أولاد سيدي إبراهيم بالمسيلة، هكذا حولت خديجة حياتها في الغربة إلى إبداع وثورة ضد مرارة الواقع وألم الوحدة فانفجرت إبداعًا وشعرًا.

‎ ‎

1 ـ في الغربة لا تدعينَ امتلاككِ لشيء، في الغربة لا تملكينَ إلا حلمك، وحلمك ترجمته إبداعاتك فإلى أي مدى يحقق الشعر أحلامنا ونحن نتنفس هواء الآخرين؟

ــ لا أحسبني أزعم باطلاً إذا قلت أنَّ افتقار مجتمعنا للقدوة ظاهر الأثر، جلي بيّن، واضحٍ فاضح، لا يكتنفه غموض أو قتامة غياهب؛ كيف لا وقد أمسى ظاهرة لا يسع ذي بصيرة أن يلاحظها على عدّة أصعدة… حسبًا ووجاهة، قادة كانوا أم ساسة، في علياء الفن أم سخف الثقافة… أين هي المصداقية وشفافية المساءلة؟

من أين لكم هذا يا سادة؟  أين ذهب حق الضعفاء الفقراء الذين أرهقت كواهلهم بأحمال فاقت طاقة الاحتمال.

أرى أن أيما منصف أراد وصف حال الأمة اليوم، أن يقرّ بلسان العجز حقيقتنا المُرّة، في إيجاد ثوابت القدوة؛ كنت دائمًا أتلوى ألمًا، والسؤال لا يبارح جمجمة فكري وظني … حتى حار حرف القلم في مسراه، وجاش الإحساس ممضٍ حيث اللاجدوى منتهاه، فإلى أين أيها القهر، وأنتَ أعلم أن البكاء ليس به حلاً ولا رجاء!

تساءلت؛ هل أكتفي بالفرجة حتى أموت غما أم أشد صنبور دمعي حتى يتحول الصبح لفجر عذب الشراب، فلم أجد أمام قوسي إلاّ الشعر سهمًا زاهدًا علّه يخترق صمت الكلمات في عمر السكات!

تستحضرني هنا كلمات الإمام الشافعي رحمه الله «ما في المقام لذي عقلٍ وذي أدبٍ من راحةٍ فدع الأوطان واغترب» فلا فرق؛ أمقيم الإنسان فينا، أو مسافرًا، فإن نبض قلبه بكل أنواع، وألوان المشاعر مجهدًا، ومجاهدًا يكتب في الاتجاه المعاكس… للانكسار، ليدون الشعر فعل ألمٍ، يُسرج به خيل الأمل… بدايات.

فلو استطاع الشوق أن يصنع الخوارق، لطي الغصات المخبوءة في ثنايا الصدور ما أعددنا لأحلامنا حقائب سفر.

الشاعر حين يسافر تتسع مداركه، وتتفتح الآفاق من حوله، يكون قادرًا على امتطاء صهوة الحرف ليكتب الحقيقة كاملة دون خوف، أو تزييف، دون النظر يمنةً ويسرة؛ لمجاراة فلان أو علان، يعبر عن مكنونات الذات، واحتياجاتها دون أحكام أو قيود، يطلق عنان أوجاعه وهموم الوطن للشعر فيحول ذاك الأنين، ذاك الصراع الذي يسكنه إلى إبداع يصل أرواح القراء دون عناء.

فالشعر شعور يسكن روح الكاتب قبل أن يكون كلاماً تخيليًا مكلفاً، إن الشّعر قولاً منثورًا خلّاقاً يبعث على اكتساب الخبرة والحنكة، بسعة التدبر والتأمل.

في السفر مزايا لا يجليها إلا من خاض التجربة، وغاص في أعماق المجتمعات، باختلاف المذاهب والأديان والطوائف والأعراق لأن النظر من زاوية واحدة لا يهبنا الصورة كاملة … قال تعالى ((إنّا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) صدق الله العظيم.

الوطن يعد بمثابة الرئة للإنسان لكن كيف التأكد من ذلك إلّا من خلال التجربة، والخروج من ترابه لنرى بأم عين الحقيقة أذكر قولي عن الوطن حين كنت أحترق شوقاً له وهو يسكن فؤادي قائلةً؛ “أهْواكَ كُلّما الْتَقَتْكَ الرُّؤى دونَ ميْعادْ يا وطَنًا عَشِقتُهُ على رُؤوسِ الأشهادْ” مما يبين أنّ الشاعر ابن بيئته وابن التربة التي نشأ عليها، يشده الحنين والفضل والشوق لكل ذرة تراب؛ لكن لا ينكر في نفس الوقت أنَّ الغربة تعدُ إحدى البوابات الفاصلة، بين ماهية المادة الملموسة، وبين العوالم الأخرى من المادة المحسوسة، فإنهما مكملان متصلان؛ لولا تلك المغامرة لما وهب وأبدع في كل مجالات الحياة.

الشعر شعلة حرف متشبع الإيمان، يسري في أفق الكاتب قبل أن تصل المتلقي، ولا يملك سوى الأبجدية لتوصل رسالته؛ سواءً كان على أرضه أو أرض الله الفسيحة الواسعة، لأن الشاعر لا يعرف غربة الأوطان إن كان متشبعاً بسكن الروح وطمأنينة النفس.

 
2 ـ يقال إن المرء لا يسكن بلاداً، بل يسكن لغة، ذلك هو الوطن ولا شيء غيره. ألهذا اخترت أن تبدعي باللغة العربية أم أن لك دواع أخرى؟

 

ــ بين المنطق الواسع والمنطق الضيق هناك بقعة لون رمادي يصبغ روح الإنسان بالخوف من المجهول، من ذاك المستقبل المدجَّج بالصعاب والمحن، حيث تتعدد الصراعات والمواجهات المسبوقة ليتبقى لحبّ الحياة سطوة حضور.

ولمن أراد أن يتغلَّب ويخرج من قبضة مخالب الوهم وأسر الواقع، الذي غدت فيه أركانُ وأطرافُ أرضنا غابةَ وطنٍ موحش، يأكل فيه القوي الضعيف ويتكالب فيه الكذب وقوة النفاق، كما يتهالك فيه الصدق على المحب بحق حتى يشرب من كأس القلق حلوه ومرّه شاء أم أبى لينحت من معين مجرى مائه درباً على الصخور.

والتصالح وتحابب الأرواح معجزة فريدة من نوعها تعد كتحدٍّ لسباق المفاهيم اللاهثة وراء المادة التي حوّلها البشر لساحة حرب تغيّر معها جوهر الإنسان، واضطرب حاله حيث وُرّث فكره أنَّ الجمال متاع دنيويً من جاهٍ وحَسَبٍ ومالٍ، والقليل من يكتشف أنَّ محصلة كدّه واجتهاده طيلة حياته في تكوين وعيه، معادلة نتاجها صفر، ليعودَ لنقطة البداية لاعناً ساخطًا على كارثة اكتساب الموروث الفكري الجمعي؛ فيسعى لتجديد العهد من منظور وعي آخر ناضج الفكر، برؤى عميقة، ونهجٍ مغايرٍ بإمكانه التمييز بين الذات الأصلية والأنا المتوهِّمة ساعتها فقط يدرك معنى الوجود متعلقاً بماهية القدر العالي من المعرفة… عندئذٍ يستطيع كنس الأفكار وحتى المشاعر ويسترجع عافية آدميته، ويأنس بتلك الومضات الوهّاجة التي تتهادى على النفس فتزيد قوة الإلهام جمالاً وابتهاجًا.

والكاتب الشاعر شعلةٌ مضرمة في حقل الحلم المستحيل، يعرف يقيناً طريقه دون أن يضلَّ أو يُفقد رشده ليصبح الوطن زائرًا حرًا، متجوِّلاً داخله، ساكنًا متوغلاً في تأملات وحوارات لا متناهية بين مصنع الأفكار والأحاسيس، والحكمة الراشدة بـ ” عقله ” ومن هذا المصنع الفريد تنتج فصاحة لغة الضاد تسكن بين لحظتين، ومضة ميلاد وغمضة رحيل!

قديمة هي الدنيا قِـدَم الخلائق، ونحن كمن ركب أرجوحة الحياة مغيَّباً في زمن محصور بين فواصل الماضي، وعجاب حاضرنا لم نصنع لأنفسنا سوى حضارات من غفلة المماليك الزائفة، وبعض من أمم بائدة تعتقد أن الخلود وتشييد الصروح والبروج بذرية تحمل عمرًا في زمن ضائع من الأرض المتحركة، المتغيرة… لننظر من حولنا ألم يمحُ الأزل من سبقونا من حضارات وأمجاد! ألا يصحو العقل ليفكر أين هو الأعمى من المبصر الذي يتزاحم على الشهوات والرغبات من تعدد المكتسبات من أموالٍ وزوجات، من أولاد وثروات، من طعام وانتصارات ظنًّا منه أن الرفاهية والكمال في مدّ بصره لأرض ملموسة عوض مدّه لأفق سماء أرحب.

لولا الإبحار في عوالم الحرف ما عرفت النفس كمالاً، ولولا رفقة الجراح ما تذوقت الروح نكهة الحياة

هكذا هي لغتنا العربية لغةً أكرمنا بها الله سبحانه وتعالى، فهي وحدها دواء للنفس المنهارة،

ترمم الجراح، وتغرس بذور الأمل، في ظل هروب أخلاق البشر وتهاوى كل جميل من حولنا، الحمد لله الذي وهبنا هذه النعمة التي تخرجنا من غياهب وسجون ذواتنا، معززة فينا روح البناء بتحريك شرعية الاستمرارية؛ معلنةً التحدّي، وروح الصمود في وجه كل من ناصبنا العداء، حينها ندرك حجم وجودنا ونفكر بثقة، وتكون قراراتنا صائبة، فاصلة.

إنّ اللغة كفيلة بأن تجعل من كاتبها رسولَ محبة يدعو للسلام والتقوى، أو فاجرًا يدعو للنعرات والمنكرات! فلا عجب حين ترى انقسام اللغة باختلافها في العالم أجمع إلى وجهتي صراع بين نزعة خير وشر. يقول تعالى في محكم تنزيله «إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ» صدق الله العظيم

إن الله سبحانه وتعالى عندما ذكر الشعراء كان يتكلم بعلم ثابت صحيح أن اللغة لها وجهين أحدهما نورٌ قائمٌ، والآخر ظلامٌ دامس.

لذا وجب على كل امرئ فينا الخيار!

أمّا عن شخصنا المتواضع فإني وجدت في اللغة حسنَ التأمل كما حسن التدبر، وجدت فيها ما لم يستطيع بشرٌ أن يجده مكانياً فهو العود لذاتي، وجدت معاني الجمال، وجدت عوالم الطهر والنقاء، وجدت صفاء النفس وطمأنينة البال، وجدت الحكمة بين إلحاح السؤال وسكون النون؛ علمت يقيناً أن الله يهب المرء حسب نواياه وما حوت النفس من رؤى وأفكار…

إن الشاعر الحقيقي من يتوغل في أعماق اللغة ويسبح في بحارها العذبة حبًّا وشغفاً ليجد كنوزها المخبوءة في تشابك الضد بالضد رغم اختلاف علماء المنطق إلا أن من يتأمل في ماهية الثنائية على اختلافها يعرف الحياة الحقة.

خلقنا الله ذكراً وأنثى، جنة وناراً، أبيضَ وأسودَ، شمساً وقمراً، أرضاً وسماءً … ولولا الألم ما عرف المرء فينا شفاءً، ولولا عظمة الحبِّ ما زهد بشر.

اللغة لغة العارفين بالله، الزاهدين، المدركين لعمق الرسالة، حين يشبع المرء روحَه بنور الأبجدية تصبح الكتابة وطنًا وانتماءً.


 3 ـ من أين يكتسب الشاعر المغترب شرعية النص؟  وهو في عالم أكثر فوضى وصراع؟

 

ـــ وهب الله الشاعر خاصية عظيمة ألا وهي العطف والرحمة وروح التضامن مع كل ما هو إنساني، مفكر جيد، يتألم في صمت، يحب العزلة والاكتفاء بذاته كي يخرج أنين صدره ليوسده الورق؛ الشاعر مهما علا شأنه فهو شخص حساس بطبعه، متفرد في نظرته للأشياء من حوله، يحاول جاهداً تقديم المساعدة برسائله الشعرية في القصائد؛ فمنهم من كتب في حب الوطن، و شعر الحماسة، والدعوة، ضد الجهل، ضد التمييز العنصري، كتب لتقويم الفكر، لنهج الصلاح، لروح التآخي والمحبة، لنشر السلام بين شعوب العالم أجمع حسب نظرته وحسب احتياجات محيطه فإن كان الشاعر ليس له لجام على قلمه قد يتجرأ ويكتب في الهجاء  في الأدب الساخر، في السياسة بأسلوب مستفز  فيه المحمود والمذموم حتى يخرج الطرف الآخر من بوصلة عقله الرشيد!

نعم المغترب يكتب فيما تراه أم عينه من حقيقة دون زيف وهذا ما يجعله

مهمشًا، متجاهلًا في المجتمع الذي يعيش فيه لأن الاحتكاك بشخص مماثل يقول الصدق في زمن التملق، والمداهنة أصبح أمرًا مرعباً يهدد سلامة المغترب والقانون؛ فمثلاً هنا بفرنسا هناك الكثير من المواضيع الخطيرة المسكوت عنها، كَفساد الأخلاق وتصعيد الأبناء ضد الأولياء، التمييز العنصري، الإسلام فوبيا، التطرف الديني بنزعة الابتعاد عن ممارسة الأديان داخل المؤسسات، تهميش المرأة المسلمة المحجبة مهما تحمل من شهادات وخبرات، قتل الحرَّاڤة بسموم وأدوية داخل السجون باختلاف الجنسيات والعرق، قتل ما في الأرحام، الحديث عن حق العيش الكريم للشعب الفلسطيني وغير هذه المواضيع الكثير الكثير كما أن في أوطاننا مواضيع مسكوت عنها كالبيروقراطية، وفساد الأخلاق، عدم وجود الرقابة في مختلف المجالات المهنية وخاصة المستشفيات، السرقات وأجندات وانتشار التطرف والإرهاب، ومافيا تبييض الأموال وعدم ممارسة الصحافة والإعلام كحق مشروع في قول الحقائق دون تزييف وأمور أخرى كبيرة  مما لا يخطر على بال بشر؛

في أشعاري كتبت عن مواضيع مختلفة ايحاءًا لا تصريحاً ورمزاً دون تجريحًا كما تطرقت في أعمالي الأخرى من الأجناس الأدبية في المقالة والحكم والومضات والقصص إلى ما عايشته من رحم واقعنا المعاش؛ فيه عن خبرات ودهاليز حياتية شخصية وفيه من نظرتي داخل المجتمع وما حوى من متناقضات وصراع الجبهات والفوضى العارمة في الوطن وخارجه.

أما أن كان الشاعر بلا ضمير سيبيع

كل حرف لذي الجهالة بمدح متصنع.

 

 4 ـ مبدعون وأدباء لم يغادروا الوطن لكن شعورهم بالغربة أثقل من كتابات أولئك المغتربين فالخوف يزيد غربتك حين تكون بالداخل وأنت عاجز عن الفعل، ألم تعطيك هذه الغربة حرية الكتابة التي يفتقدها المبدعون الذين بقوا تحت وطأة الخوف داخل أسوار الوطن؟

ـ الكتابة في كل بلدان العالم تبقى حريتها مرهونة على سيادة السلطات والحكومات الديكتاتورية بالقبول أو الرفض فهي مسيسة تمر تحت تداعيات زعم الحرية الفردية والديمقراطية لكن هذا ليس صحيحاً. يتوجب على كل كاتب عدم الإفصاح بطلاقة عن أبرز نقاط وقضايا التطورات السائدة دينياً وسياسياً، كلما جاء الطرح منافياً معاكساً لرغبات وقانون البلد المستضيف سيتم الحظر مباشرة مع أبسط الحقوق المدنية لتنهال العقوبات به في السجون أو المنفى، حرية إبداء الرأي والتوجه والفكر في دولنا العربية نجده كذلك محصورًا على عدم حرية التعبير للصحافة وعدم وجود المصداقية لأن الإعلام في الوطن العربي أصبح مسيرًا لا مخير! لذا نجد العقوبات تنزل بالسجون وتلفيق التهم وتزوير الحقائق ومن هذا المنطلق لجأ أغلب الأحرار من أعلام وأدباء وناشطين وسياسيين وحتى رجال الدين في مختلف المجالات لمنصات التواصل الاجتماعي ليجعلوا منه منبرًا لتبادل المعلومات والنشر في اليوتيوب ومع هذا يبقى مقتضبًا لأن كل شيء تحت رحمة رقابة صارمة من كل دول العالم الذي يتحرك ضمن نظام عالمي محكم ومسير بسياسة الخضوع، نظن أننا أحرار لكن هيهات في ظل ما نراه اليوم من تجاوزات خطيرة تأتي على الحرث والنسل لا السلطات التنفيذية ولا المعاهدات الإقليمية ولا القوانين الدولية في المجتمع المدني قادرة على كفالة الكاتب أو الداعي أو السياسي في قول الحقيقة المطلقة.

نحسب أننا أحرار لكننا ندور في حلقة دائرية محكمة الإغلاق محلياً ودوليًا يوجهها نظام عالمي بأزرار تحكم عن بعد.

 

5 ـ وأراني غريبة المنأى والدار
أحمل تابوت الأحلام 
حيث تدور رحى الأيام
ملامح تنشد فجاءات الأقدار
 هذا المقطع من قصيدتك ”قمر بلا لون” يختصر مكنونات الوجع داخلك، كيف ترين حضور شوارع قريتك وبيوتها الطينية ورمالها وعبق روائح العنبر والبخور وجمال الحناء في كتاباتك.

 

ـــ كلما جئت على تذكر قريتي الصغيرة “الديس” المعرّفة بأولاد سيدي إبراهيم أرى ذلك البيت الطيني المشبَّع بالحبِّ والرحمة تتوقف عندها عقارب الساعة، وتنبت السنابل في مهجتي لتصبغ على وجعي لوناً أخضرا، فأتعثر بين الأشياء المزدحمة داخلي تارةً أنسجم مع المحسوس وأخرى أنفلت مع تلك الرغبة الجامحة في اختراق عمقي لأعلن العصيان وأطوي المسافة؛ آه حين يشدني الحنين والشوق لبلد الأحرار والحرائر من السلف الصالح

ترتسم على محيا هذا الجبين ابتسامة خجولة تنعش رئتي وتبعث بالأمل والرضا بما وهبنا القدر. وأهتف عشقًا دون استحياء أغرق فأشرق انتشاءً من رائحة عنبر الحرائر وعلى أيديهن سبحة من بين أصبعين تجر الواحدة تلوى الأخرى تسبيحاً وتكبيرًا متتاليًا ويلفهن البياض من كل جانب متزينات بطيب الحناء وعبق البخور الذي يملأ الهواء حتى يتشممه المارَّة في الشارع. كم أرى في إشراقة وجوههن معنى الحياة ومن تجاعيد الزمن درب السمو نحو العلا.

في ديار الغربة دائماً تحضرني صور دندنات “تويزة المنسج ” وحكايات السمر على ضوء الشموع وهي تعكس خيالات الأبدان على الجدران، والضحكات البريئة تعلو الوجوه، كما

حلقات قراءة وحفظ القرآن وإحياء المولد النبوي الشريف داخل البيوت وهي متعطرة بالذكر والأنوار

والأطفال تركض تركض خارجاً بالشموع كم أحن لذلك الوقت، أتساءل في سري هل مازالت تلك العادات التي تذيب صقيع غربتي موجودة؟! وسرعان ما يلفح فكري تغير الأشياء من حولنا بفعل الزمن وتغير الأجيال فأعود غريبة شاحبة الملامح لتبقى ملامح بلدتي مرسومة في مخيلتي برحلة الطفولة والبراءة هناك فقط  تنتعش روحي الظمآى ويزيد الصهيل في أوردتي نارًا والتماعا  وتهب المواسم معلنة أنه لي أصول فأنا الحرَّة ابنة الحرَّة لا تهزمني الصعاب ولا تكسرني جراح غدر الزمن فمن حمل في قلبه الألم عرف بحول وقوة الله كيف يحوله لجنّة عدن؛ والشاعر دائماً يعش غريباً ويموت غريباً لأنّ فكره دائماً متصلاً بطين خلقنا الله منه ونموت بين أحضانه ونبعث منه، فكلما دعوت الرحمن طلبت ارتواء هذا الطين بنور الإيمان والغفران عسّاه يعشوشب يوم لقياه بالنعم.

في يومنا هذا لا يسعني إلّا أن أحمل العرفان والامتنان في قلبي لتلك الجدران التي احتضنتني واحتوتني وأهدتني أجمل الأوقات ووهبتني ذاك القدر من التأمل فيها لتجود علينا بما نحن عليه وما تركه لنا السلف سائلين المولى أن يحفظ ما تبقى من جمال، فقريتي عظيمة لها الفضل الكبير عليَّ وعلى كل الناجحين من أبناء بلدتي؛ من دكاترة وشعراء وفقهاء وفنانين ومخترعين وإعلاميين في الوطن وخارجه.

 

6 ـ ترجمت بعض أعمالك إلى عدة لغات، هل منحت نصوصكِ الشعرية فرصة تجاوز جغرافية المكان والحدود إلى العالمية؟

ــ الشعر في اللغة العربية كيان قائم بذاته مهما تعددت الترجمات إلى لغات أخرى يبقى رهيناً بين الممكن والمستحيل ففي تناغم حروف القصيدة هناك أصوات وإيقاعات باطنية خلاقة تتعايش مع المشاعر ولا يمكن أي مترجم بإمكانه إيصال المعنى لأن اللغات تختلف في معانيها وتراكيبها حسب الثقافات الأخرى وأنساقها التكوينية لذا فمهما اعتمدت النصوص الترجمة تفقد من قيمتها الإبداعية وقالبها الموسيقي، لكنها

تحمل بين طياتها القيم الجمالية في علاقة الإنسان بالمعرفة استنباطًا ورغم وجود ضرورة الترجمة وتعددها في وقتنا الراهن لدمج الثقافات واعتماد الجيد منها

تواجه الكثير من النصوص جدلية الضرورة بين الأمانة والخيانة لأنها تدور في مدارات المستحيل لعدم توفر شروط التجويد في رسم الصورة الشعرية بجرسها الفني وإيحاءات النظم خاصة في الوزن والقافية لكن ومع كل هذا اتفق متذوقي الأبداع على أن للشعر روحاً غير ظاهرة تختفي مع محاولة ترجمته كمن زرع الورد في أرض قاحلة رغم أن للترجمة دورًا طلائعيًا في تلاقح الخبرات عبر القارات، ورغم وجود تلك الفجوة

تقابل اليوم الكثير من نصوصي بالترجمة للغات مختلفة ولا يمكنني

تحديد ذالك البعد النفسي والأثر في المتلقي علماً أنه يقرأ لي أدباء كثر وشعراء من دول مختلفة ومتفاعلين وناشطين على أغلب صفحات التواصل الاجتماعي وخاصة بعد المشاركة في مهرجانات وملتقيات أدبية على المستوى العالمي منهم من أدباء إسبانيا والأوروغواي والبرازيل وألمانيا والتشيك والبيرو والهند والعمل الجيد هو من يفرض نفسه على الساحة ويخلد صاحبه بعد رحيله مغامرة البقاء في معناه ومبناه.


7 ـ راه جاني مرسول وڤالو عني رومية
يا حسراه على الدنيا الفانيا المَرْبَوِيَة
بنت العُربان ذِيك الحرة الديسية
برهومية شان معلومة في أُمالِية
معروفة بالخال والخلخال يا عينية 

في قصيدتك بعنوان: قالـــــــو عني رومية، عودة إلى الأصل في الشعر الشعبي، تقدمين فيها أوراق اعتمادك كإمراه من طينة الأحرار، هل تعتقدين أن الشعر الشعبي بإمكانه أن يصبح أيضًا سفيرًا للمبدع في وطن لا يحمل هويته؟

 

ــ يعد الشعر الشعبي في الوطن العربي امتدادا للشعر الفصيح لأن الشاعر يعتمد على الواقعية والصدق في محاكاة مكنونات ذاته فيأتي في مجالات عدّة (المدح والغزل والرثاء) بألفاظ تحاكي المفاخر كما الهموم يلامس جوانباً كثيرة مثل معتقداتنا وديننا ويبرز جمالية تراثنا لأنه يرسم المشهد ويخترق سمع المستمع ليدرك عظمته ومآثره في نفسه ويتقاطع مع مشاعره فيترك ذاك الموروث والذي يسميه بعض الأجانب من أوروبا بالفلكلور أثرًا طيباً وامتدادا للأجيال بحرارة عاطفته لأنه معبر جيد عن الحياة وقضايا الفرد داخل مجتمعه.

الشعر العامي في ديار الغربة يعد تذكرة بالمفاخر تذكرة بالدين والمعتقدات بالعود إلى الأصل مهما انغمس المغترب في التطور الفكري أو الحضاري، لكل شعر له بصمته في نفس المستمع وفي نفس الآخرين.. يبين بساطة العيش وسلامة الفكر

يرسم صورة البلد الأصل دون تزييف رغم الرافضة المتشددين.

يقال إن الشعر الملحون دخل مغربنا العربي في نصف القرن الخامس الهجري مع قبائل الهلاليون بتعدد لهجاتهم حيث يصطبغ بصبغة الحفاظ على قيم الروح ومبادئ العقيدة الإسلامية حيث كان الشعر الشعبي آنذاك منتشرًا في الصحراء الجزائرية أكثر من غيرها واعتمده البدو في التعبير عن الشهامة والعزّة

وساعد ذلك في نظم الموشحات والأزجال؛ ويبقى للشعر الشعبي متذوقين ورواد في كل العالم لأنه هوية قائمة بذاتها تعلي مفاخر وأمجاد أمم.

8 ـ قلت ذات مرة أن “القلق والـمعاناة والظلم، ثلاثي كان له فضل كبير في تحديد مساري في الكتابة” وهي حاضرة في ديوان “غياهب الدجى” الصادر في 2017 وديوان الجنائن المعلقة”

كل ما نقرأه لشعراء هاجروا أو هُجّروا نجد ماضويتهم طاغية على إنتاجهم الإبداعي، وهو ما لمسناه في أكثر إبداعاتك، تحاولين تسجيل أسماء الأمكنة التي مررت بها وتستحضرين طفولتك وصباك فهل هذا ضروري لإثراء النص الشعري عند المبدع؟  

 

ــ الأماكن لها علاقة جوهرية بالإنسان عامة وبالشاعر خاصة، لأن الشعر مكنون ذاتي يعبر به المرء عن إحساسه ووجدانه، لأن الصورة الجمالية الحقة  هي إثراء المشهد وتحديد الرغبة في إيصال المعنى بالتجربة الصادقة دون تحريف فهو حاضن للوجود الإنساني، وله أثر في إثراء الحس بالمسؤولية أكان سياسياً أم اجتماعياً أم فكرياً أو حتى نفسياً ليجعله مشهداً متحركاً عوض جماده في مخيلة القارئ بما يحمله من أبعاد ودلالات تغني ولا تقصي الفطرة، حيث نجده في كتابات كل من الفارابي، امرئ القيس،  النابغة الذبياني وغيرهم الكثير وفيه من المكان الذي ينشطر بدوره إلى قسمين كلي وجزئي.

وتعد علاقة الشاعر بالمكان لصيقة ورابطة روحية تلازمه أينما شدّ رحله فهو زاده وتاريخه وذكرياته قادرًا أن يجعل منه رابطة وثيقة حميمة في تعابيره وإبعاده في الوصف بين القائل والمتلقي فيصنع المكان من حجر أصم إلى ناطق ومن مكان خرب إلى طلل مدهش مثير، فقد ظهر في الشعر الجاهلي والحديث  وخاصة الحنين إلى الأوطان ومراتع الصبا ومرابع الأهل والطبيعة الخلابة والذكريات  الجميلة لذا لا يخلو الشعر العربي الحديث في عمومه على حضور الأمكنة التي تزيد من تحديد ملامح الصورة وتقريبها للمستمع أو القارئ بأدق تفاصيلها الإبداعية والفنية.

 

وفي الأخير لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الامتنان وآيات الشكر والعرفان للإعلامي النشط سي الطيب سعودي على منحنا هذه الفرصة في حوارية شيقة نأمل أن تنال استحسان كل قراء وأوفياء جريدة الخبر الوطنية الجزائرية.

كانت معكم الشاعرة المغتربة خديجة بن عادل/ فرنسا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن جريدة الخبر الجزائرية

 

عن Xalid Derik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دعوة لحضور المؤتمر الثالث لرابطة آرارات الثقافية

دعوة لحضور المؤتمر الثالث لرابطة آرارات الثقافية Des Kulturverbandes Ararat رابطة آرارات ...

أوراقك المبعثرة / بقلم: سالم الياس مدالو

أوراقك المبعثرة بقلم: سالم الياس مدالو ــــــــــــــ أوراقك المبعثرة في أتون النسيان ...

إضمامة من شعر الحرب العالمية / ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

          إضمامة من شعر الحرب العالمية   ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال ………………..   ...

حديث الجمال / بقلم: عصمت شاهين دوسكي

حديث الجمال بقلم: عصمت شاهين دوسكي ــــــــــــــــ آه من حديث الجمال ذلًل ...

نشيدٌ غابَ عنهُ صداه / بقلم: صالح أحمد (كناعنة)

نشيدٌ غابَ عنهُ صداه بقلم: صالح أحمد (كناعنة) /// أَقَلَّ مِنَ النزيفِ ...

في ذكرى النكبة الكبرى “ما كان وما يجب أن يكون” / بقلم: خالد السلامي

في ذكرى النكبة الكبرى ما كان وما يجب أن يكون     بقلم: ...

التفاعل الرمزي وتصور الفرد عن ذاته ومحيطه / بقلم: إبراهيم أبو عواد

التفاعل الرمزي وتصور الفرد عن ذاته ومحيطه بقلم: إبراهيم أبو عواد / ...

مُسيَّد المومني: لا أجد نفسي شخصًا يسهل تورطه حتى في الأدب/حوار أجراه:خالد ديريك

مُسيَّد المومني: لا أجد نفسي شخصًا يسهل تورطه حتى في الأدب  (المومني) ...