الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / “سِمْران” مع القدر وجهًا لوجه للكاتب خالد ساير / بقلم: بوسلهام عميمر

“سِمْران” مع القدر وجهًا لوجه للكاتب خالد ساير / بقلم: بوسلهام عميمر

خالد ساير

“سِمْران” مع القدر وجهًا لوجه للكاتب خالد ساير

  بقلم: بوسلهام عميمر

ــــــــــــــــــــــ

رواية للكاتب والإعلامي الكويتي خالد ساير. إنها باكورة

أعماله. استغرقت منه حوالي إحدى عشر سنة من أجل

كتابتها. أخرج كل ما لديه من ذخيرة أدبية، لترى النور في

أبهى الحلل الإبداعية، على عادة أي كاتب، يحرص ليكون

عمله الأول في مستوى راق رفيع “الأول عليه تعول”

بتعبيرنا المغربي.

رواية فريدة من نوعها شكلا ومضمونا. مبنى ومعنى.

بخيال إبداعي واسع، وبلغة شفيفة راقية، وبصور بلاغية

جميلة أبحر بنا الكاتب في مجاهل عمق الصحراء وفي مضاربها قبل

مائة عام تقريبا، زمن اكتشاف أولى قطرات النفط، في بدايات القرن

الفائت، يوم لم يكن يعرف لدى الأهالي هناك سوى بالزيت الأسود،

تضاربت آراؤهم بشأن الحفر تنقيبا عليه واستخراجه، بين قبول ورفض للشياطين الحمر (الإنجليز) لقبهم بين الأهالي يومذاك، كادت تعصف بوحدتهم إلى أن قام السير “توماس بإخراج وثيقة بيده، فاردا إياها أمامهم إذ بدت مخطوطة بنص عربي

وأسفلها إمهار الآمر الناهي“288، فقطعت جهينة قول كل خطيب. فتأكد لهم أن الأمر يتجاوزهم فاستسلموا للأمر الواقع.

رواية نزل فيها القدر بكله وكلكله من مبتدأها إلى منتهاها. كانت له الكلمة الفصل في الكثير من منعرجات أحداثها. مياه كثيرة جرت تحت جسر حياة سِمران بطل الرواية، لا يد له في جريان قطرة واحدة منها على هواه. يقول عن زواجه “هو يوم عرسي الذي لم أختر، إرادة الشيخ كانت الفصل“20، والذي لم يكن سوى أبيه من صلبه، كما سيظهر في أواخر فصول الرواية، إلى موتها المفاجئ، ف” صعده عند سمران ليست زوجة فحسب، فهي من أعادت له وجودا خطف قدرا” 105، إلى هجرانه لقبيلته بولديه “حمدان” و “حمده” في ظروف صحراوية موحشة في اتجاه قرية “كواره”، إذ وجد في شيخها سعيد الهلواس ضالته، ليصبح بجده وصدقه الفطري أقرب مقربيه رغم كيد الكائدين وما أكثرهم يقول

علموني وصرت شيخ صنعتهم، ومكني الله أقود بساتينهم” 221. برع الكاتب في وصف

رحلته بدقائقها وصفا يشد الأنفاس، وصولا إلى معرفة حقيقة أصله وفصله والعثور على

قبر أمه، إلى تنصيبه على رأس قبيلة “خبيرة” بعدما خرج منها ولم يكن يعرف سوى

بالقهوجي صباب القهوة ببيت الشيخ سيف. يقول بلهجته الكويتية “أنا صاحب قهوة الشيخ،

 والشيخة (المشيخة) بحملها وثقلها بين أيديني، جاتني ولا جيتها“321

رواية بذائقة سردية عالية استطاعت أن تنقلنا لنعيش حياة الأهالي هناك بالصحراء في

أفراحهم وأتراحهم، وبساطة عيشهم ووسائل تنقلهم، والأهم ما يحكمهم من تقاليد و

أعراف، تُحزّ دونها الرقاب “إما يطيع ولا السيف” 318، وكذا ما يشكله الماء بالنسبة

إليهم. إنه مسألة حياة أو موت. من يملكه يملك سلطة القرار. “الماء ميثاق وجود وبقاء…

 آبار عصرهم كآبار النفط في لاحق السنين“29.

رواية ما كنت أعرف سر احتفاء العرب بالقهوة، لدرجة تغني عنها سميرة توفيق ذات

تاريخ أغنية رائعة لطالما طربنا لها وترنمنا بأنغامها، إلى أن قرأت هذه الرواية. ما كنت

أعرف تأثيرها على الأمزجة لدرجة يكون لها دورا في قرارات الحرب والسلم بين القبائل.

يقول في ص40 “عاجلتهم بقهوتي متفننا كمن يرقص بالدله، مطيلا متباطئا متيحا لكلمة

تطيب الخواطر على لسان الشيخ” وفي ص47 يقول “سمران واقفا ..صابا القهوة

 باستعراض حركي وصوتي ليستثير الشيخ وينزع شوك أفكاره“. ويبقى ما ورد في اليتم

الذي عاشه بطل الرواية سمران أجمل ما يمكن التوقف عنده مليا، سلوى لكل اليتامى على

قساوته، كقوله في ص 4”فكم من يتم أرسى الجبال وأصلد القلب واستقام به الظهر” وقوله

في ص16 “سمعت أن اليتم حرمان يعقبه عطاء” وقوله في ص 32 “فاليتم يصنع إنسانا

مرهفا، حتى لو تربى في كنف من أتقنوا الذبح“.

الرواية حافلة بالتعبيرات البليغة بما السَّنِية، تغني عن عشرات الصفحات. يقول في ص

22 “والدنيا لا تأبه لهارب، وإنما تخضع لجاسر“، ويقول أيضا “فليس كل وطن وطنا“.

وتبقى أقوى ما في المنجز الإبداعي “سِمران”، جزالة عباراته، وشاعرية لغته، وصوره

البلاغية الجميلة، من تشبيهات واستعارات حرص الكاتب خالد ساير، أن تكون من جنس

البيئة فضاء روايته. في ص 17 مثلا يقول، “فاضت القهوة برغوتها كرغاء الجمل

 الهائج“، ويقول في سياق آخر، “أحاطتني بروح قبل الجسد فسكنت وأسكنت … فهي حب

 كالصحراء، صاغه القدر بين يتم وعرض” 27. وفي ص41 نجد تعبيرا جزلا جميلا

بقوله “فغاص في بحر من ظن“. ولنا أن نتصور بحرا لجيا يغشاه موج من فوقه موج من

فوقه سحاب، من الظن، يغوص فيه، فكيف سيكون حاله.

فالرواية من الثراء بمكان، ثراء معرفيا باذخا عن جغرافية الصحراء وتاريخها يومذاك، و

كذا طبائع أهاليها وطقوس احتفالاتهم في أعراسهم وجنائزهم. فقد عمدت الرواية بمشارط

كاتبها المتمكن من صرة صنعته، إلى تفكيك بنية علاقاتهم الاجتماعية.

إنها وثيقة هامة قد تسعف الباحث الاجتماعي لدراسة المجتمع القبلي الصحراوي في هذه

الحقبة الزمنية من تاريخها، وقد تسعف الباحث النفسي لدراسة سيكولوجيتهم وردود أفعالهم

وتشنجاتهم وتأثر أمزجتهم بتقلبات أجواء الصحراء المناخية، وانعكاساتها على قراراتهم

سلما أو حربا، وكذا استقرارهم وأمنهم. والأهم من كل ما سبق، حبكتها الأدبية الدرامية،

تشد الأنفاس من أول سطر فيها إلى آخره على امتداد حوالي ثلاثمائة وأربعين عدد صفحات

الرواية.

                                       بوسلهام عميمر

عن Xalid Derik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وحدي أرتب للمواعيد الحصارَ / بقلم: مصطفى معروفي

وحدي أرتب للمواعيد الحصارَ بقلم: مصطفى معروفي ـــــــــ بناصية الطريق تركت عصفورا ...

إعلان ساعة الصفر ( 7 ) / بقلم: عصمت شاهين دوسكي

إعلان ساعة الصفر ( 7 ) بقلم: عصمت شاهين دوسكي ــــــــــــ شهادة ...

تحول التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية / بقلم: إبراهيم أبو عواد

تحول التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية بقلم: إبراهيم أبو عواد / كاتب ...

عندليب تمبكتو / بقلم: حمود ولد سليمان “غيم الصحراء “

عندليب تمبكتو إلى خيرة عربي سيدة الكالباس التي تهطل في الحزن بقلم: ...

أيها الأرمني، أيقظ خرافك وكلبك / بقلم: فيروز رشك

  أيها الأرمني، أيقظ خرافك وكلبك / بقلم: فيروز رشك ــــــــــــــــــــ ذات ...

في رحلة الحب / بقلم: عبد الباسط الصمدي أبو أميمة

في رحلة الحب بقلم: عبد الباسط الصمدي أبو أميمة ـــــــــــــــــ   في ...

لِلَّذِين يُقيمون الحدْ / بقلم: سنا المومني

لِلَّذِين يُقيمون الحدْ / بقلم: سنا المومني ______ لِلَّذِين يُقيمون على العشاقِ ...

قراءة في ديوان وساوس عطشى للشاعر بشير أسعد الزعلان / بقلم: نصر محمد

قراءة في ديوان وساوس عطشى للشاعر بشير أسعد الزعلان بقلم: نصر محمد ...