أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / صحة وعلوم / رسالةٌ عراقية، من رسائلِ الحياة اليومية البابِلِيَّة – 9 – / بقلم: عبد يونس لافي

رسالةٌ عراقية، من رسائلِ الحياة اليومية البابِلِيَّة – 9 – / بقلم: عبد يونس لافي

 

رسالةٌ عراقية، من رسائلِ الحياة اليومية البابِلِيَّة – 9 –

من فتًى الى أُمِّه

بقلم: عبد يونس لافي

 ـــــــــــــــ

مشاعرُ وجدانيةٌ بدتْ  كامنةً

في صدرِ هذا الفتى،

ما لبثت أن تفجَّرتْ،

عِبْرَ كلماتٍ أمْلاها على الكاتب!

 

كان الكاتبُ أمينًا على ما سَمِع،

فكتب، ما كتبْ،

وما كتبَ إلّا ما سمعَ من كَلِمات،

وما أحسَّهُ من مُؤلِمِ الخَلَجات،

أو ما رأى من عَبَرات.

 

هنا الرسالة:

 

(قلْ للسيدةِ  زينو  (Zinû)

أنَّ آيْدِن – سِنْ  (Iddin-Sin)

يُرسلُ اليكِ الرسالةَ الآتية:


عسى الآلِهةُ شَمَش
1  (Šamaš )

ومردوخ2  (Marduk)

وايلَبْرات3  (Ilabrat)

أنْ يُسْدِلوا عليكِ الصحةَ الى الأبدِ،

 لأجلِ رعايَتي.

 

من سنةٍ الى أخرى،

ملابسُ الشَّبابِ هنا،

تُصبِحُ أفضلَ،

غيرَ أنّكَ تركْتِ ملابسي، تزدادُ سوءًا،

من سنةٍ الى أخرى.


حقًّا أنتِ تُصِرّينَ على جعلِ ملابسي

أسوَأَ وأكثرَ رَثاثَة!

ففي الوقتِ الذي كان الصوفُ في بيتنا،

يُسْتهْلكُ كما يُسْتهْلكُ الْخبزُ،

لم تُبالي في جعلِ ملابسي رديئة!

 

إنَّ ابْنَ آداد – آيْدِنام  (Adad-iddinam)

مَنْ أبوهُ كان مساعدًا لأبي ليس إلّا،

عنده مجموعتانِ جديدتانِ من الملابس،

ولكنَّكِ تتأفَّفينَ مُسْتاءةً

حتى على  مجموعةٍ واحدةٍ لي من الملابسِ.

 

وعلى الرغم من أنَّكِ والدتي الحقيقيَّة،

فإنَّ أمَّهُ قد (تبَنَّتْهُ)4 وتُحِبُّه،

أمّا انتِ فلا تُحِبّيني.)

 

انتهت الرسالة!

 

حين قرأُتُها،

تراءى لي أنه فتًى،

يدرسُ  في مدرسةٍ بعيدًا عن بيتِه،

يُراقبُ من كَثَب،

فيرى أقرانًا له كلَّ يومٍ،

وهم يرفُلون بملابسَ أحلى،

ملابسَ أنظفَ وأرقى، مما يلبس

 

الرسالةُ لم تُفصحْ لماذا

يدرس  آيْدِن – سِنْ  بعيدًا عن محلِّ سُكْناه،

وما الذي يدرسُه،

ولكنَّ  ذلك أمرٌ مُمكنٌ في أيِّ زمنٍ،

وإن كان نادرَ الحدوث،

فلربَّما كان ما يبرِّرُهُ آنذاك،

تَبَعًا لمكانةِ الأهلِ الاجتماعية،

وما يطمحون إليهِ

 في أن يرَوْا طفلَهم عليه،

من تربيةٍ يشرفُ عليها، كما أظنُّ، كَهَنَة.

 

نقرأ كلماتِه، وقد تخلَّلَها شيئٌ من  تكرارٍ ورَكاكة،

وهو يبثُّ أمَّهُ مشاعرَ مألوفة،

معلومةً مفهومة،

تُدلِّلُ على أنَّ أحاسيسَ الغَيْرةِ لم تتغيَّرْ،

فهيَ هيَ على مرِّ العصور،

ناهيكَ أنَّها من الجِبِلَّةِ البشرية.

 

حين تقرأُ هذي الكلمات،

 تَحْسَبُهُ فتًى في زماننا هذا،

وليس قبل اكثرَ من أربعةِ آلافِ عام.

لقد حاول جاهدًا إقناعَ أمِّهِ لتُدرِكَ

أنَّه يتطلَّعُ الى أن يكونَ مثلَ أقرانِهِ،

إن لم يكنْ أحسن.

 

يبدو أنَّ  أمَّه هي المسؤولةُ عن تدبيرِ المنزل،

وأن أباهُ يمارسُ عملَه بعيدًا هو الآخر.

ويبدو ايضًا أنَّ أمَّه هي التي تُعِدُّ ملابسَه،

ابتداءً من العِهْنِ المنفوش،

الى اللباس المنقوش!

 

توحي الرسالة ايضًا الى أنَّ هناك من سيتلو الرسالةَ

على مسامعِ السيدةِ زينو،

وإلّا لَما قال أخبِرِ السيدةَ زينو.
هنا نلاحظ أيضًا تَعَمُّدَ آيْدِن – سِنْ 

ذِكْرَ ثلاثةٍ من الآلهةِ في دُعاءِه،

لحفظ  أمِّهِ من أجلِه، اسْتعطافًا واحْترامًا،

وهذا من الأمورِ المألوفةِ في ذلك العهد.

 

تَعَمُّدٌ آخر أنَّه وإن قارن نفسَه

 بمجموع من يدرس معه،

إلّا أنَّه ذكر طالبًا معروفا لدى أمِّه،

هو ابْنُ آداد – آيْدِنام 

ليثيرَ اهتمامَها ويجعلَها تنتبه!


هذه الرسالةُ تمثِّلُ عَيِّنَةً واحدةً مما كانت عليه حياةُ الناسِ اليومية في ذلك الوقت، كما أنها تعكس سيكولوجية هذا الفتى من حيث كونهِ توّاقًا للظهور بمظهرٍ جذّابٍ امام الآخرين، مثله مثل الكثير من طلاب المدارس في زماننا هذا.

هنا أسجِّل ملاحظةً على بعض الفراغات التي وردت في الرسالة، حيث سقطت لسببٍ ما بعضُ الكلماتِ، التي أُكْمِلَتْ ‍- اجتهادًا – من المعنى العام للجملة التي وردت فيها.  لوحظ أيضا أنَّ الرسالة كانت قد كتبت على كلا الجهتين، الأمامية والخلفية، لِلَّوح الطيني، وهذا من غير المألوف.

 

ملاحظةٌ اخيرة، لم يكن وجها اللوح كافيين لِأكمال الرسالة حيث يبدو ان الكاتب كان يحاول الاستجابة لإملاءات هذا الفتى وتأوُّهاتِه، فأضافَ هامشًا جانبيًّا على اللوح، وهذا من النادر، على الأقل فيما اطلعت عليه من صور بعض الألواح.

 

1  شَمَش           (Šamaš) هو آلهة الشمس

2  مردوخ            (Marduk) كبيرُ الآلِهة 

3  ايلَبْرات          (Ilabrat)  يعتبر سوكال (الإله المرافق) لإله السماء آنو أو إله مستقل.

4         يبدو أنَّ مفهوم التبني كان معروفًا منذ ذلك الوقت

عن Khalid Dêrik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Nour Al Abdullah Zürich Texte ohne Grenzen

Nour Al Abdullah im Kulturmarkt: „Ich will spüren, dass ich noch träume„

Bericht: Khalid Dêrik Am 1. April 2026 fand im Kulturmarkt in Zürich ...

لَا وَدَاعَ أَخِير / عِصْمَتُ شَاهِينِ الدُّوسَكِي

  هَلِ الْقَلْبُ وَالرُّوحُ وَالنُّهَى تَتَذَكَّرُ الْجُرُوحَ يَنْبِضُ الْقَلْبُ شَوْقًا بَيْنَ بَدَايَةٍ ...

إحياء القارئ الكامن: رؤى تطبيقية من واقع القراءة في السياق المدرسي

فراس حج محمد| فلسطين منذ مدة طويلة لم أقرأ كتاباً بهذه الكيفية ...

من سيعيد ترتيبك! / د. ريم النقري

حين تعيد ترتيبهم فلتدرك ذاتك الحقيقيّة باستدارة غرّاء ذاتك التي كنت تدلف ...

gamdom
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
gamdom
gamdom
gamdom giriş
Gamdom
en iyi casino
en iyi canlı bahis
türkçe bahis siteleri