الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / العود السعيد إلي الاورفليسي /هكذا تكلم جبران / بقلم: حمود ولد سليمان (غيم الصحراء)

العود السعيد إلي الاورفليسي /هكذا تكلم جبران / بقلم: حمود ولد سليمان (غيم الصحراء)

 

العود السعيد إلي الاورفليسي /هكذا تكلم جبران /

بقلم: حمود ولد سليمان (غيم الصحراء)

ــــــــــــــ

 

العودة لجبران خليل جبران دائما واعدة باكتشاف الجديد لأن معينه لا ينضب، فهو متجدد. والعودة إليه عودة لمهد الحياة المترع بالأحلام والأساطير والسحر والجمال. إذ تشكل الجبرانية إطلالة الفن على الكتابة الجمالية في أولياتها. الجبرانية تبزغ في الأبجديات مثل الفجر من سني الكلمات تتوهج، من دم القلب

 

وبحبره، تبدو كبحيرة صافية في ليلة مقمرة “مسكونة بالمسافة ما بين الحرف والرسم، والعلاقة بينهما

 

 الجبرانية طهرانية الكتابة وبراءتها وعفويتها الأخاذة المنسابة سلسلا عذبا من الإلهام المتفجر ينابيعا وأنهارا تجري إلى الأبد.

 

ليس غريبا أن تفتن القراء الكتابة الجبرانية لأنه بأسلوبه الأخاذ وخياله الوثاب وما يتراءى في سطوره من مسحات أحزن وعطش الروح وومضات السمو الإنساني والبحث عن اليقين ومعانقة المطلق كل ذالك يساهم في أسطره جبران ويمنحه عناصر القوة والبقاء

 

أبد الدهر، الجبرانية كتابة مصهرها الألم وهو طاقتها.

 

الجبرانية هي   النزوع إلي الكينونة ومعانقة الذات

 

الجبرانية نزعة رومانسية وخيالية تنزع نحو تحرر العقل من أدران الأرض. والماديات نحو الأفق اللامحدود الفسيح

 

الجبرانية تقف على مشارف التلاقي بين الأدب والفلسفة والفن.

 

 على صعيد آخر تمثل روحانية الأدب العربي

 

والشرق العربي الذي شاءت له الأقدار أن يغترب ويعيش في بوسطن / أمريكا ويمتزج بالثقافة الغربية

 

البعيدة في عمقها من الشرق، لذالك كان نسمة عذبة هبت على أصقاع الغرب فانتعشت لها الأرواح

 

منحة الشرق للغرب كما يقولون كذالك كان جبران الثائر

 

الروحاني

 

الكتابة الجبرانية هي نسق من أشكال متعددة وتشكيل فريد ورؤيا متجددة. لأن جبران شاعر حالم والحلم عنده لا يتوقف عند حد ولا يوجد وجود إلا به وهو طاقة

 

تشحذ الكتابة

 

قلت سابقا في مقالتي جبران الأسطورة الخالدة 

 

أني أري الجبرانية بثلاث زهرات الحلم والحزن والخيال وهي في اعتقادي السمات الأساسية في كتابات جبران كما عرفتها.

 

 

2/

 

 الظاهرة الجبرانية فريدة من نوعها وتأتي أهميتها من

 

السياق الثقافي والحضاري الذي نبتت فيه إذ كانت ثورة جذرية في الأدب العربي الحديث غيرت الأساليب والأشكال وبذرت روحا جديدة لم تكن معهودة في الأدب العربي

 

لذالك عندما نتحدث عن الأدب العربي الحديث لا يمكن أن نتجاهل جبران أو نمر عليه مر الكرام لأنه كان مدرسة تجديدية وقد رسخ تقنيات جديدة في الكتابة

 

شكلا ورؤى وفكرا

 

في كتابه القيم / هكذا تكلم جبران الصادر عن منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب / دمشق 2022

 

يقدم الشاعر الدكتور نزار بريك قراءة جديدة متميزة للمنجز الجبراني، وقد بدا دراسته بمدخل للأدب الجبراني بسط من خلاله رؤيته لعالم جبران المتشعب الظلال ثم تناول آثاره كاملة بدءا من أول كتاب له الموسيقي إلى آخر أعماله حديقة النبي وقد تناول عبر محاور متداخلة

 

_ مجنون جبران والإنسان الكامل

 

_ جبران وعقيدة التقمص

 

_جبران وسؤال الهوية

 

_ نبي جبران من يوحنا المجنون إلى المصطفي

 

فكر جبران وأدبه. في هذا الكتاب

 

يقدم نزار بريك قراءة مختلفة عن سابقاتها من الدراسات الجبرانية فهو في فصل ” مواكب جبران وعالم الغاب الفاضل ” يري بان” الصوتان في القصيدة

 

المتمايزين فيما بينهما .صوت الشيخ والشاب وهي الفكرة التي سيطرت علي أذهان النقاد والقراء بعد أن قال بها الشاعر نسيب عريضة في مقدمته ،ذالك أن القراءة المعمقة للأبيات المكتوبة علي وزن الرمل والأبيات المكتوبة علي  مجزوء الوافرتين بجلاء أنها جميعها تصدر عن متكلم واحد هو الشاعر نفسه ،في حالتين متباينتين .لكنهما تتكاملان ولا تتناقضان فالشاعر الذي يلاحظ بؤس الواقع ويدين ما يحفل به  من تناقضات ومثالب وشرور هو نفسه الذي يبشر بعالم أكثر نبلا وعدالة وجمالا وليس في ذالك أي تناقض بطبيعة الحال مما يعني أن هذين التيارين لا يجريان في اتجاهين متعاكسين كما يقول ميخائيل نعيمة بل هما يجريان في اتجاه واحد لأن الرؤية التي توجههما نفسها في الحالتين “(1)

 

يري بريك أن قصيدة (المواكب) مركبة من” ثلاث حركات متداخله فيما بينها وان الحركة الثالثة غالبا ما تتجاهلها الدراسات ولا تأبه لها وهذه الحركات هي:

 

1_ الحركة الأولي / وتمثل رؤية جبران للواقع

 

2_ الحركة الثانية /تمثل عالم المثل / عالم الغاب الفاضل/ التبشير بعالم جديد تختفي فيه كل الفوارق ويبقي ما يتطابق مع متطلبات الإنسانية الحقة وما يتوافق مع وحدة الوجود

 

3_ الحركة الثالثة /

 

  تمثل الطريق التي يجب أن تسلكها مواكب البشرية لتتمكن من الانتقال من العالم الأول عالم المادة والبؤس والمتناقضات إلى العالم الثاني عالم النور والغبطة ووحدة الوجود

 

وهذه الطريق كما يري الكاتب هي الفن لأن الفن هو الذي يستطيع أن يحملنا إلى ما وراء المادة ويرينا ما تكنه عوالم الغيب “(2)

 

 

3/

 

 

الفكر الجبراني وارف الظلال ولذالك تغدو مهمة تحديده صعبة للغاية، من خلال الكاتب ثمة مرتكزات أساسية في مدار هذا الفكر وهي:

 

وحدة الوجود

 

_ الذات العظمي

 

الإنسان الكامل (3)

 

يري الكاتب أنها مركزية في كتابات جبران كلها وبشكل كبير في كتاب النبي ويسوع ابن الإنسان.

 

وعن كتاب النبي الذي يعد أعظم آثار جبران يري

 

 انه وثيق الصلة بمؤلفات جبران السابقة مؤكدا ” أن نزعة النبوة كانت متأصلة في نفسه منذ بداياته الأولى وان الرسالة التي كان يحملها كانت تنو نموا طبيعيا من كتاب إلي آخر ومن مرحلة إلي أخري ولذالك يمكن للمرء أن يقول باطمئنان كبير أن جبران لم يكتب النبي بسبب تأثره المباشر بكتاب نيتشه “هكذا تكلم زرادشت “كما يذهب عدد من المؤلفين فقد سبق لجبران أن وقع تحت سيطرة نيتشة في عدد من النصوص التي ضمنها كتاب ” العواصف “لكنه سرعان ما خرج عليه وناقضه لأن أفكاره لا تنسجم مع الخط العام للفكر الجبراني ،وعندما بلغ جبران نضجه الفكري والفني في كتاب ” النبي “نجد أنه لم يأخذ من كتاب  هكذا تكلم زرادشت سوي شكله الخارجي الذي تجلي في وضع الأفكار والمقولات علي لسان نبي يحمل الصفات والملكات  مما يجعله مختلفا عن الآخرين وفي غير ذالك فإن كتاب النبي  شديد الاختلاف عن كتاب نيتشة بل ويبدو مناقضا له “

 

(4)

 

 

4/

 

يري الكاتب أن جبران كان ذا إسهام بارز لا يقل عن جيل الرواد وإن لم يوفيه حقه دارسوا الأدب العربي

 

إذ كان أول ظهور لقصيدة النثر على يديه كما كان ميلاد الرواية على يديه ” الأجنحة المتكسرة ” وهو رأي يراه بطرس حلاق

 

ولجبران كذالك كتابات اولي ناضجة في القصة القصيرة

 

وتتسم كتابته بالتنوع والانفتاح على أشكال متعددة 

 

وهو ما يقول به بطرس حلاق إذ (إلى جانب كتابة الذات والكتابة النبوية تتميز رؤية جبران بسمة أخيرة: انفتاح النص على كتابة متعددة الأجناس) (5)

 

 

5/

 

 

الظاهرة الجبرانية تتابي على التصنيف والتأطير في سياق فكري معين إنها زئبقية متلونة كثيرا ويصعب علي الباحث فيها أن يخرج منها ببنيان أو نسق محدد

 

وذالك لطبيعة الكتابة الجبرانية القائمة على التصوير والخيال والرؤية والرؤيوية واحتشاد الرموز فيها وامتياح جبران من الثقافات والنصوص الدينية والأساطير وتوظيفه لفنون الرسم فيها. يعد جبران بحق

 

مجددا في الكتابة العربية وان اختلف الدارسون في ذالك بين معظم ومصغر فمما لاشك فيه أن جبران كان ثورة في الشكل والمضمون في الأدب العربي والجبرانية بذالك تبقي ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ الأدب العربي لما أضافته ورفدت به الكتابة العربية يقول أدونيس في هذا السياق (تبقي أهمية جبران الأولى في أنه سلك طريقا لم تعرفها الكتابة العربية ،في أنه هدم الذاكرة وبني الإشارة فكان بذألك بداية ولذألك فإن المسألة الأخيرة في دراسته ليست الإلحاح علي شكلية التعبير بقدر ماهي الإلحاح علي نوعية هذه البداية ،وجبران من هذه الشرفة لا يتحدد إلا بالطموح الكامن في نتاجه : إنه يتحدد بتفجراته لا ببناءاته فهذه التفجرات لا توحي بتغيير أشكال التفكير والتعبير فحسب وإنما توحي كذالك بتجديد الأسس ذاتها .فلم تعد الكتابة العربية بدءا منه ،تتأمل ذاتها في المرايا اللفظية بل أصبحت تنغمس في العذاب والبحث والتطلع ومن هنا امتلأت بالحيوية وأصبح القراء الذين كانوا يتغذون بالألفاظ يتغذون بقوة التجدد والتغيير)

 

(6)

 

 

4/ العود إلي جبران فضلا عن كونه استعادة وتذكرا لدوره الريادي كذالك يحمل أكثر من دلالة مما يدل على الحضور القوي والمستمر مع الزمن لجبران خليل جبران هذا الملهم الخالد الذي بهر الغرب كما بهر الشرق ولا يزال في كل وقت يتجدد إبداعه ويبسط نفوذه على الأجيال

 

العود لجبران يغري كثيرا ويبهج

 

كلما عدنا له اكتشفنا أشياء غير عادية، وغمرتنا الجبرانية بروحها الخالدة المتوهجة.

 

 

هوامش /

 

(1)  هكذا تكلم جبران / الدكتور نزار بريك. الهيئة العامة السورية للكتاب / دمشق 2022 ص 116

 

(2)نفسه ص127

 

(3)نفسه ص313

 

(4)نفسه ص247

 

(5) جبران /حداثة عربية. ذات تتكون وأدب يتجدد/ بطرس الحلاق /ترجمة إياس الحسن وجمال شحيد

 

المنظمة العربية للترجمة / الطبعة الأولي. بيروت 2013

 

ص 40

 

(6) الثابت والمتحول / ج 3/ صدمة الحداثة / أدونيس

 

دار العودة / بيروت .الطبعة الأولي 1978 ص210

 

عن Xalid Derik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين يتلبّسني وهم الكتابة/ بقلم: د. ريم النقري

عادة حين يتلبّسني وهم الكتابة أدخل إليها بكلّي المشاغب خصلات شعري الأنثويّة ...

  حرقة الفراق ووجع الاشتياق ولحظة الانعتاق”  / بقلم: بوسلهام عميمر

“ميلاد لحظة”، عنوان عتبة المنجز الشعري الرئيسية، بذكاء الحاذق بصنعته صاغته باقتدارالشاعرة ...

مركز عناية يحتفي بتجربة الشاعرين المغربيين مصطفى غلمان ورشيد منسوم

مراكش/ خاص: نظم مركز عناية بالمغرب، نهاية الأسبوع الذي ودعناه، برحاب رياض ...

العصافير ../ ترجمة : بنيامين يوخنا دانيال

                قصائد هايكو   (  ...

  هايكو شكسبير / ترجمة : سالم الياس مدالو

  امراة البيت تركض   كي تقبض على مخلوقات ذات ريش   ...

وكانَ الحصادُ وفيراً / بقلم: كَامِل عبد الحُسين الكَعْبِي

في بصرتنا السخيةِ فتيةٌ ركبوا ظهورَ الأمنياتِ بعزمٍ وثباتٍ يهزّونَ جذعَ النخلةِ ...

الفعل الاجتماعي والتجانس المركزي والمناهج اللغوية / بقلم: إبراهيم أبو عواد

1 التداخلُ بين الظواهرِ الثقافية والعلاقاتِ الاجتماعية يُؤَدِّي إلى تكوين مصادر جديدة ...

صدور ديوان “قلب مصاب بالحكمة”

تقرير: فراس حج محمد عن دار ببلومانيا للنشر والتوزيع في جمهورية مصر ...