أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / حــــنيــن العائـــديـــن / بقلم: صبحة بغورة

حــــنيــن العائـــديـــن / بقلم: صبحة بغورة

حــــنيــن العائـــديـــن

بقلم: صبحة بغورة

ــــــــــــــ

حالة من الفوضى تتولد في نفسه وتسكنه كلما أطل من على حافة الجنون في اتجاه عناوين الحنين والشوق حيث نسائم بلده وتلك النجوم التي تعده بلقاء قريب يجمعه مع أهله في وطنه، يستحضر تقاسيم وجه أمه وملامح قريته التي يحيطها بهاء حقول اللوز والكروم ،تستقبل زائرها أسراب العصافير الرقيقة التي تفيض حنانا وحبا ، يشهر أحلامه ويرسم لغده لقاءا جميلا ، ترك إسماعيل بلدته فور زواجه وهو في سن صغيرة  ، سافر الزوجان إلى فرنسا هربا من الفقر والجوع وبحثا عن الحياة الناعمة ، وترك أمه تتكبد وحدها مشقة العيش وصعوبات الحياة.  في مدينة ” ليون” الفرنسية لم تكن الأمور سهلة  كافح وزوجته من أجل لقمة العيش، وبعد سنين من العمل الدؤوب وبالكثير من الصبر تمكن من امتلاك محل جزارة يعيل به أسرته وأولاده ، وفي عمق بهرجته الإنسانية المتطرفة مرة والمتداخلة مرة أخرى في امتداد الذات مع اتساع حدقة القلب تعددت زلاته وتنوعت صدماته وتفاوتت في شدة وقعها على بساط الإدراك ، كل الحالات التي يعيشها انتشى ببداياتها المطرزة بخيوط التمني والحافلة بالتفاؤل عند كل منعطف يعبر فيه حواجز الغربة والتردد ليذوب في حضن الاحتياج فأنهكته تفاصيل الغياب ووحشة الأمكنة الفارغة من الحنين، ألم الغربة يقيده بسلاسل الماضي ويحجب عنه رؤية المستقبل بوضوح ، ولكن أي مستقبل وقد مضى من العمر ثلاثون عاما قضاها في الغربة لم يزر خلالها والدته سوى مرات معدودات ثم انقطع بعدما فارقت الحياة، لمن يذهب ، فالبيت الذي كان جدده أهمل كثيرا لسنين طويلة، ولكنه هذه المرة صمم أن يعود لزيارة قريته وليعرف حفيده وأصله وبلاده وجبالها وسهولها، إن مجرد الحلم بالعودة تنطلق سريعا أمام ناظريه عديد الرؤى إلى القريب المنتظر، أنه ما تبقى له من الحلم يمسح بومضه ظلام الآلام الواهنة في ذاتها ولكنها الكاسحة بإيحاءاتها لخطوط الحياة التبادلية رغم تمرد الحظ بجملة مفارقات التي تبتسم على شفاه النحس عندما تفرط الأيام في بؤسها على مرآة الروح ، وبعد مرور العمر تتضح الرؤية للمشهد الذي استنفذ كل طاقته الذهنية لفهمه، سأل نفسه هل هو خارج منطقة الاستيعاب أم هي حالة تبلد أو أنه الهم يتنفس فيضا من المشاعر المبهمة على عتبات العجز، وذاكرة خائرة القوى ازدحمت من فراغ ، وفي تعدد المشاهد المؤلمة يغوص في أعماق الصمت حين يضطره الموقف، يرفض أن يكون مجرد صوت نشاز لا يسمن ولا يغني من جوع  في الضجيج  السائد ، الحياة جعلت منه حكيما يفكر بعقل وروية ، انه مصمم هذه المرة على السفر وتجديد الهواء ، في غربته طالما خذله صبره بالعودة على قارعة الانتظار ولم يفهم وجعه وقد شمل الأسى كل زواياه وفاضت دموعه ، كثير ما أخذت الغربة عزيزا عليه فلم يبقى في عمره الربيع ربيعا ولا الصيف صيفا فيمر يومه وهو يعلم أن مثله سيكون غده عليه نارا تحرق جسده ، لكن هذه المرة سيغلق باب الليل ويهزم الظلام ولن تتغير أشياءه ، اقترب موعد السفر أحضرت زوجته سعدية متاعها رفقة ابنها مالك وحفيدها نسيم المتلهف ليرى جنة الأحلام التي وعده بها جده  تاركا باقي أولاده و بناته الذين رفضوا الذهاب معه لأن أشغالهم كثيرة ، وأخيرا عاد إسماعيل إلى أرضه ودخل بيته بعد جفاء وهجر طويل ، كانت الثلوج تكسو جبال قريته ووجوه أجيال جديدة نشأت ووجوه أخرى بحثت عن الحياة في مكان أخر وبلد آخر، تنهد طويلا أمام أشجار الزيتون التي هرمت وأهملت ، ترى هل سترحب به أرضه ؟ وهل ستلين حقوله له؟ هل بإمكانه أن يزرع الحياة فيها هذه المرة بعدما أخذت الغربة منه كل صحته؟ فكر مليا وعاد إلى البيت وقد كانت حبات الثلج تنذر بليلة باردة، زوجته سعدية رتبت البيت وأعدت الطعام ،ذهب ابنهما مالك إلى المدفأة وأشعلها ، قضوا الليل يحيون ذكريات الطفولة والمكان ويستحضرون الأحداث تتلوها أحداث ، يغالبون قسوة الطبيعة التي بالخارج ومن حلاوة الحديث أخذ كل واحد مكانه أمام الأخر وراحوا في نوم عميق ، مرت الأيام ولم يظهر إسماعيل ولا عائلته كعادتهم ، قلق أهل القرية عليهم وراحوا يسألون عنهم لكن لا مجيب لندائهم ، كسروا باب البيت فوجدوهم كلهم أمواتا ، فارقوا الحياة إلى الأبد نسوا أن فتحة مدفأة الغاز قد استعمرتها حمامة وبنت فيها أعشاشها وعمرتها طوال السنين الماضية حتى أقفلتها قفلا محكما ، ماتوا مختنقين بالغاز، غرق إسماعيل في نوم أبدي لا رجوع منه وهو يحضن أحلامه التي طالما انتظرها ، انه الوطن الذي سبق أن خذلته مثله نفوس المتعبين من أبنائه من قبل ولم يجد سوى هديل الحمائم الحالمة له .

عن Khalid Dêrik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.