الرئيسية / آراء قكرية ونقدية / السكون الذي يسبق العاصفة في “صليل الصمت” للشاعرة مليكة الجباري/ بقلم: بوسلهام عميمر

السكون الذي يسبق العاصفة في “صليل الصمت” للشاعرة مليكة الجباري/ بقلم: بوسلهام عميمر

“صليل الصمت” ديوان للشاعرة مليكة الجباري

                دراسة بعنوان: السكون الذي يسبق العاصفة   

الشاعرة مليكة الجباري في ديوانها الرابع “صليل الصمت”، بعد دواوينها، “في قلب العاصفة” “على صهوة الجموح”، وديوان مشترك “الهجران”، فضلا عن نصوص بعنوان “شذرات مجنحة”، تؤكد تميزها في اختيار عتبات دواوينها. لوحدها تحتاج إلى وقفات خاصة بها للوقوف على جمالية تركيبها وصياغتها. تتحقق فيها إلى أبعد مدى شروط العتبات من تشويق، وتكثيف لغوي يحيل على عمق قصائد الديوان ويرغب في الإقبال على قراءته. إنه الجسر الإعلامي الأساس، يمهد الطريق للعبور نحو قراءة المتن الشعري. إنها المفتاح للولوج إلى عوالم النصوص بين دفتي الديوان، خاصة لما يكون بهذا التناسق بين بنيته الصوتية وبنيته التركيبية وبنيته الدلالية.

ديوان الشاعرة مليكة الجباري حافل بالتيمات، منها ما يتعلق بالذات الشاعرة، يتعلق بآلامها وآمالها وإصرارها بعزة نفس وبشموخ للانعتاق من شرنقة الانكسارات، ومنها ما  يتعلق بوطنها، و كذا ما تعيشه أمتها من نزيف تحت يافطة شعارات براقة، لا أساس لها، فضلا عما تضمنته نصوصها من إشارات فلسفية و تأملات حيايتة عميقة.

تيمة الصمت:

فالعنوان “صليل الصمت”، لا يتطلب مجهودا فسيولوجيا كبيرا لترديده. فدال الصاد المكرر فيه واحد من دوال الهمس العشرة جمعها الإمام ابن الجزري في جملة “حثه شخص فسكت”، بما تعكسه من مشاعر وأحاسيس. مع  انها تحمل عادة ما تعكس ما بداخل الشاعر من أشجان وأحزان. في تساوق جميل يلتئم هذا المستوى ببنية العنوان التركيبية من إضافة الصمت إلى الصليل وإسناد الصليل إلى الصمت، وصولا إلى بنيته الدلالية الظاهرة والعميقة.

فإذا كان ظاهر العنوان يوحي بالتضاد، إذ يجمع بين ما لا يمكن جمعه، بين الصليل بما يدل عليه من ضجيج لما يقع الحديد على الحديد، أو ضجيج الأواني الفارغة أو ما يصدر عن أمعاء الإبل الجائعة كما في المعاجم، فإن بنيته العميقة يحيل إلى ما يعتمل في النفس من زوابع وما تعانيه النفس في صمت. وإن فرض عليها الصمت ففي داخلها العواصف، إنها على حافة الانفجار. إنه الصمت والسكون الذي يسبق العاصفة كما سنرى.

  إنه من العناوين التي تحدث لدى قراءته لأول وهلة ما يعرف بالزوبعة الدهنية. إنه نوع من العناوين المخاتلة، تحقق إلى حد بعيد ما هو مطلوب من العنوان، من جذب الانتباه و  الترغيب في قراءة الديوان وشغف معرفة سر هذا الجمع بين ما لا يجمع، وإن كان يسمح للشعراء ما لا يسمح لغيرهم.

بفنية عالية تناولت تيمة الصمت وصولته، “العالم كومة يجثو في صمت ،، صوب نزيف الصهيل الممنوع ،، على إيقاع خيبة بتلابيب ممزقة“89. للصمت ضراوته على النفس و قساوته، خاصة لما يكون مفروضا غير مسموح بمبارحته، تتضاعف شدة وطأته لما جعلت له أضراسا حادة تلوكها مع من وإياها تتقاسمن نفس المعاناة. لنتصوره سيفا ممددا على الجسد من قنة الرأس إلى أخمص القدمين. تقول، “صبرنا ينوء تحت ثقل عوسج البلادة ،، اكتسحوا التيه في العيون ،، الصمت يلوكنا بين أضراسه ،، كفصيص ثوم ،، يلفظنا ثلة أشعار ،، الأقلام في الجب حبلى ،، لكن سيف الصمت تمدد على الأجساد” ص60. لنتصور الصمت القهري مع الدموع والوجع والأشواك والأظافر الطويلة “تغرس ألوانها في عيني ،، تنحت أخاديد الزمن القاسية ،، على جسدي“15

وهل هناك أشد من أن تنهمر عيون القصيدة حزنا ووجعا وغصة في الحلق “دموع القصيدة انهمار حزن ،، أوجع مملكة الورد“132. وجع ليس كأي وجع، ولتقرب القارئ من مدى ألمه تقول في قصيدة “انعتاق”، “على أشرعتي ،،  وجع يبتلع الصخور ،، إنها قسوة الانعتاق ،، ،، هناك الطين الأحمر ،، والفراشات بلا أجنحة ،، ،، لكن المتاريس في حدائق النوارس ،، عطلت صلاة الأمواج ،، عطلت أحلام الطفولة“22-23

لكن مع الآلام الموجعة والحرمان والمنع و المتاريس ومحاولة نزع أجنحة النوارس منعا لها من التحليق، فهل استسلمت الشاعرة وألقت السلاح و أسلمت الروح لقدرها، كورقة في مهب الريح؟

تيمة التحدي:

وهي تعدد بفنية عالية أوجه الفواجع وأشكال الموانع الكابحة للانعتاق نحو الآفاق الرحبة، لم يكن أمامها من خيار، إلا أن ترفع يافطة التحدي عاليا في وجه كل المعيقات والحواجز. فبقدر عمق الألم والجراحات والانكسارات، كان مستوى التحدي، بما يحلحل ما يستشكل في العنوان “صليل الصمت”، تقول في قصيدة “صدري ساحة حرب” “سأخبره أن صدري كفاح“44، يحيل إلى قول القائل “لا تحسبن صمتي جهل أو نسيان، فالأرض صامتة وفي جوفها ألف بركان” وفي رواية “فالجبل صامت وبداخله بركان“.

بشموخ وبعزة الواثق من نفسه، تقول بصريح العبارة وبقوة الكلمة، في سبيل إحقاق الحق ونيل نصيبها من الفرح، بعدما فقدت الوعود طهارتها تقول “لن نكذب على الأحلام ،، سنسحق ذاكرة الفشل جميعا ،، سنعصر الحياة من أجل الفرح ،، لنهزم كل هذا العبث حولنا ،، سأستعير الحروف من جب يوسف ،، لأبلغ مجامع روح متقدة ،، سنسكن العبور ،، ونسترد السفينة ..،، الوصية من جب يوسف ،، من أجل فجر يستقيم“35 مستلهمة قصة يوسف عليه السلام المفعمة بالأمل، فيقينه ثابت بمعية الله، حتى وهو في قعر الجب، حتى وهو في غيابات السجن، حتى وهو يواجه بأثقل تهمة في ردهات قصر العزيز.

وفي سياق لاحق تقول بلسان الموقن من كسب المعركة والانتصار فيها، على شراستها ومكر الواقفين خلفها بمترايسهم المرئية والخفية، تقول في قصيدة “وجع الهديل” ” أمضي كأنشودة في الهواء ،، أشنق العطش في حلقي ،، وأمضي ،، ،، أفتل هديل الوجع في مهده ،، ،، قلت: ،، هيا نكسر مجاديف الغبن ،، في قوارب المنتظرين ،، ،، ماكرون ماكرون ،، قسمونا طوائف .. وزعونا أقراص حلوى ،، ،، إني امرأة تحرضها مرايا الفجر ،، حتى ابتلعت جوع كل المدن الصماء ،، ،، سننتصر لابتسامتها ،، ولهذه الأعناق المشرئبة نحو السماء” 114-116

إنها ومن يقاسمنها جرعات الألم، يعرفن جيدا ما ينتظرهن. يعرفن جيدا أنهن يواجهن عدوا كتنين بعشرات الرؤوس، له من الإمكانات ما ليس لديهن، لكنهن بعزم مستعدات للتضحية. تقول في  قصيدة “صدري ساحة حرب” ص 43-44، “حفنة تراب تشبه وطني ،، سأدفن فيها غروب شمسنا ،،  لنكون هذا الموج ،، ،، لا تغرينا الملاحم بلغة هوميروس ،، نكون الخاسر فيها ،، قطعوا أوصال القصيدة ،، انسجوا الخيام من قوافيها ،، سنقيم صلاة الحضور ،، سنتوضأ من أجل ما تبقى منا ،، ،، نشيد الوطن هناك معتقل ،، تردده شفاه أقسمت ببحورها ،، ،، سأخبره أن صدري كفاح”.

بفنية المتمكن من صرة صنعته الشعرية، تنوع في أسلوب خطابها. همها الأساس، أن تبلغ الرسالة بحمولتها حارة متقدة، تؤكد فيها على تيمة التضحية. فالحقوق تنتزع ولا تعطى، مستحضرة معاناة الحكماء، كانوا كالشموع تحترق من أجل إسعاد الآخرين، دون أن ينتظروا من أحد جزاء ولا شكورا. يولدون في صمت ويغادرون في صمت، لكن تبقى صفحاتهم المشرقة منارات يهتدي بها كل من ينشد الحرية و الانعتاق. تقول بجمالية لا تخطئها العين، “فركت بقايا ملامح الحكماء ،، على وجه الشمس ،، أناملي أشرعة تمتد نحو شفتي ،، تلعن صمتي وصمت من خلفي  ،، ،، تشعل سنابل الحكماء ،، ولدوا دون زغاريد ،، رحلوا دون زغاريد ،، تحت قناطر الألم يستظلون ،، يتبادلون التهاني ،، خارج أسوارنا منفيون ،، ينسجون القصائد على أمواج البحر ،، ثم يودعون  ،، دون أزهار .. دون قبل على جبين حضورهم ،، نقلب الصفحات ،، بحريتهم نستشهد ،، بسهام كلماتهم ينظف المنفى ،، نمارس تعليق إقامتهم“51-52. يبلغ التحدي مداه لتعلنها مدوية، فتقول بمرارة بتعبير آية في الجمال “رويدك أيها الشفق ،، النفي ليس أنثى ،، والحزن ليس امرأة ،، والزغاريد من حقنا“96

وبهمة الشجعان تعلنها مدوية، بأنها لا تقبل بأنصاف الحلول. تقول ببلاغة نادرة في قصيدة “أنصاف الأشياء” ص11-12 “هذا الصمت يجافيني ،، سأعري ذيوله ،، وسأعري هذا الواقف ،، في منتصف الطريق بلا حراك ،، تزعجني الأنصاف ،، ،، ،، تذكرت أني أكره أنصاف الأشياء ،، حتى النوم أكرهه عندما يخذلني ،، فيعبث بالجفون رهينة ،، كرهت نصف الحقيقة ،، نصف الحضور في أناي ،، نصف القمر على أرصفة العمر ،، أكره أنصاف الأشياء ،، قصيدتنا نصفها معتقل ،، يرقب المراكب الهاربة ،، والألوية المطوية

إنها مؤمنة بعدالة قضيتها. فهي على يقين، أنه مهما طال الظلم واستطال فهو إلى زوال، تقول “الانتصار قادم ،، نخبه بلل شراشف الوسادة ،، تصفعني الشمس صباحا“66

تيمة المكان:

وللمكان سلطته على الفكر، في أية كتابة إبداعية. لا يمكن لأي كاتب الفكاك من سطوته وإساره. فمن لا يذكر الشعر الجاهلي بمقدماته الطللية من قبيل:

         قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل         بسقط اللوى بين الدخول فحومل

الديوان حافل بالأمكنة، تتوزع بين المدن و الجبال، علما فالأمكنة ليست بظاهرها فقط. إن لها دلالات عميقة، تسهم في تشكيل بناء النص ومضمونه. فذكرت جبال الأرز بتاغبالوت بقمة جبال الأطلس، وفي قصيدة “سنبلة من سنابل الوطن”، من العرائش إلى المدينة المعلقة بين مخالب الريح: الشاون تقول عنها في ص107-110”ليس لي فيك بيت ولا شرفة ،، الضيافة تلمستها من كوة الضوء ،، على مآذنك ،، أحرقت كالباقين قواميس الغربة“. و عن تزنيت تقول “مدينة الشمس ،، الأبراج والأبواب ولهفتي ،، ،، انفلتت قصيدتي على خصر سورك القديم ،، أنت الحبلى بنشيد الرمل والتمر ،، ،، ضميني إلى صدرك ،، أيتها المدينة المجنونة بالشمس“، وعرجت على مدينة القصر الكبير في قصيدة “المسافة إليك ضفائر وأحلام رفاق”، مشيرة إلى عدة معالم معروفة كباب المحلة، و مولاي علي بوغالب، و دوار العسكر، مستحضرةجزء من أحداث 1984تقول في ص 125“على أزيز الرصاص في الثمانينات ،، ،، نهر اللوكس يطهر القادم”، وفي قصيدة عن وزان تقوق ص54على جبل هاشم يرفرف الوحي ،، أناغي القصيد الذائب ،، ،، يا مدينة الشعر ،، بقايانا أغنية على رضابك ،، جبلية أندلسية ،، خاصمت الضباب فيك ،، ،، عدت لأحكيك رحى للغمامات ،، جلبابي أحمر من خيوط بني جرفط ،، شالي الأبيض حاكته أنامل عذراء بني عروس“. دون أن يفوتها التعريج على أماكن بمدن إسبانية، كساحة سول بمدريد الشهيرة، تعرف أيضا بساحة بوابة الشمس، وألميريا، وكنيسة ساراغوسا، وقصر المعتصم، و غرناطة وغيرها.

فالشاعرة بحكم موقع مدينتها البحرية على شاطئ المحيط الأطلسي، كان لا بد من حضور البحر كتيمة أساسية بأمواجه ورياحه ونوارسه ومحاره، لتمرر من خلاله بجمالية عالية ما تريده من رسائل، نتابع معها قولها في ص 6-7، “كأوراق موج مسافرة … ،، ،، سنسكن وطن أجسادنا ،، الضفاف والمحّار ،، مدني“، وتقول أيضا بنبرة يسودها نوع من اليأس في ص19 “ما عدنا نفهم لغة البحر ،، ولا لغة موج قادم نحونا“.

تيمات أكثر من أن تحصى نجدها في ثنايا هذا الديوان. وإدراكا منها لأس المعرفة وجوهرها فإنها خصت السؤال بأهمية بالغة، قناعة منها بأن المعرفة في جوهرها سؤال قبل أن تكون جوابا، في الإهداء نجدها تقول “أسبح لكل ولادة جديدة كلما علقنا بين أضراس حيرة السؤال، وارتباك الإجابة”. وفي سياق آخر تقول، “على مرافئ تغريد المحال ،، أسوق قصيدة العمر ،، قصيدة عجنها السؤال“138. وفي انسجام تام مع ما بدأنا به من معاناة، لتبقى الأحلام الملاذ. تستحوذ على عدد كبير من صفحات الديوان. فالشاعرة تحلم بغد أفضل، ومن أجله تناضل على أكثر من واجهة”ما زلت أندلع على أرصفة الأمنيات ،، أحتمي بالأحلام” 71، وإن كان فالأمر ليس من السهولة بمكان. فالمغرضون لها بالمرصاد سعيا منهم لإجهاضها، تقول في ص 63 “ترنح منالي ،، أجنحة الأحلام خيطت ،، بخيوط السراب في غفلة منا

وكما سعت بكل الأساليب، لتعكس مشاعرها ومشاعر كل امرأة تقاسمها همومها، نجدها بأجمل صور بلاغية وأرقاها و بلغتها المنسابة كشلال رقراق، تفننت في رص فسيفسائها الدقيقة، لم تفتأ بين الفينة والأخرى تستلهم قصص الأولين لتعبر من خلالها عن مضامين قصائدها، فإنها في خضم هذه الاهتمامات الذاتية لم يفتها أن تعبر عن هموم وطنها. إنه حسبها “الوطن في قلوبنا وبعض من عزائه“131، وهموم محيطها العربي، تقول في قصيدة “السلام وقشة أكذوبة” “السلام والسلام ،، قشة أكذوبة على نسيج ورقي ،، ،، حصار و حصار ،، ،، ويبقى السلام قشة أكذوبة ،، على مسارح الورق ،، ،، السلام في أرض الفرات ،، كان قشة وأكذوبة” 48، وعن سوريا تقول “يمتعضنا العمرمن أجلك سوريا” 62، لتوجه مدفعية حروفها نحو الشعارات البراقة، تحت يافطتها تُنحر الشعوب ويُشرد أهلها، تقول في ص90 “كذبة المعاهدات ،، هل شاركتم في شرب نخب الانهزام“.

وما يتميز به الديوان و قل ما نجده في دواوين أخرى، ما يحفل به من إشارات فلسفية و تأملات حياتية. لنتابع قولها عن الحياة “الحياة قبضة أضداد ،، حسم القدر في أسرارها“131 وتقول عنها أيضا في ص134”الحياة تمضي ،، لست نبيا ،، الدفاتر كانت كروما ،، في شرايينها عناقيد أحلام” و عن العمر تقول ص23″العمر شجرة مقدسة ،، وقلوب ممطرة ،، ،، العمر شجرة مقدسة ،، وعيون قيثارة في الكفوف ،، تنزف الدهشة“.

و يبقى الشعر شعرا، ليس فقط بما يتميز به من قوة معنى، وصلابة مواقف، فلن يكون ذا بال إذا جفت نصوصه من ماء الإبداع الزلال، موشاة بزخرف القول من تشبيهات وكنايات ومجازات واستعارات وتناصات وغيرها من مستلزمات البيان والمعاني والبديع.

الشاعرة مليكة الجباري بحكم تملكها لناصية قول الشعر والكتابة، فديوانها طافح بالمحسنات البلاغية، تضفي على مضامين قصائدها على قتامتها حللا شاعرية ساحرة. تنم عن كعبها العالي في قول الشعر، يصعب حصرها، لكن لا يمنع من استحضار بعضها على سبيل التمثيل لا الحصر. تقول في ص20، “أحلام الصغار ،، سرقت مجاديفها ،، هذه النوارس ،، تصفق بأجنحة مكسورة ،، ما عدنا نفهم لغة البحر ،، ولا لغة موج قادم نحونا ،، احتلت الأسئلة الحمراء صدورنا ،، ،، نسيت اسمي ،، ما عدت أذكره ،، كما ينسى الوليد ثدي أمه“. وتقول في ص 102، “لست في حاجة لمعزوفتهم المشنوقة ،، ولا لأناملهم المتورطة ،، في سرقة الصبح من مهده” وتقول في ص 77-78 ، منددة بوأد أحلام الأوطان وما تعانيه من شروخات و ندوب وجراحات وانكسارات. فالخرق اتسع على الراقع،” الأوطان بين عبثكم توزعت ،، ،، الحلم بينكم تجرع مرارة الموائد ،، الظلال بينكم تشردت ،، ،، لا تكفي شموعكم ،، لهذا البرد في العيون ،، ولا لهذه الندب التي ورثتها لنا السجون ،، ما زلتم كما كنتم ،، ترخصون .. وترخصون ،، تسرقون الحطب ،، تشعلون السؤال الصامت تحت الجفون

صورة مفعمة بجمال التعبير، مفعمة بعمق المعاني،  مفعمة بالرسائل القوية لمن يهمه الأمر وإياك أعني واسمعي يا جارة، تقول، “تعالوا نربك شطحات الخونة ،، ،، أردد النشيد المعتقل في حلقي ،، أمشط شعري ،، أتبرج همسا ،، صارخة في وجه أكوام الصور الجامدة ،، ،، زادي نشيد أبي ،، ،، وقسم أمي ،، ألا أخون ،، ملامح وجهي على المرايا” 105-106، فضلا على براعتها فيما يزخر به الديوان من تناصات دقيقة، نقتبس منها هذه النماذج، كاستحضارها لجب يوسف وفرسان طروادة في سطر شعري واحد تقول “سأستعير الحروف من جب يوسف ،، ،، على خشبة فرسان طروادة ” 64، وبفنية تورد قصة فينوس المعروفة في التراث اليوناني بغرامها بأدونيس كان يضرب به المثال في الرجولة والجمال والولع بالصيد في البحار، تقول في نفس الصفحة “في البحر ألقت فينوس النهاية ،، بللت بالدمع حواشينا ،، تشكلنا مسرح بهلوانات“، كما استحضرت عشتروت وتشيخوف ورواية المعلم علي ومواسم الهجرة إلى الشمال، وقصيدة “خوان غواتي سولو ووجه الأندلس المهشمة” ص86، و أبجدية هيليوس (حسب الأسطورة الإغريقية إله الشمس) و ميراميس وزعت حمائمها 133 و عشتار وغير هذا كثير.

خاتمة:

ديوان “صليل الصمت” للشاعرة مليكة الجباري، لعمق معانيه و مكامن الجمال في مبانيه، أكبر من حصره في هذه الدراسة. فلا بد من تعددها لاستجلاء خفايا نصوصه و بواطنها.

عن Xalid Derik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وأنت تهجر الغيم / بقلم: هيفين العلي

خذ من جبيني سرمدا وتقاطر كالسهر على أكمام غفوة ثم تصور إنك ...

غربة معلبة/ بقلم: آمال القاسم

……………. ويظلُّ الشاعر يقف في جانب الطور الغربي من الحياة .. لا ...

مــتى الــقاكِ يــا أغــلى صديقةْ / بقلم: عبدالناصر عليوي العبيدي

  ——— وقــفتُ  أمــامَ عــينيها الــرقيقةْ بــصمتٍ دامَ أكــثرَ مــن دقــيقةْ . ...

أدب الأسرى في كتاب “تصدع الجدران”

أدب الأسرى في كتاب “تصدع الجدران”   صدر عن دار الرعاة للدراسات ...

أرنو إليك/ بقلم: كوثر وهبي

أرنو إليك يا سريَّ الثمين بالجلال تضيءُ روحي وتنثرني غيماً في الخواء ...

بعض الجنون فرح / بقلم: مها كندور

بتأملٍ  هادئ في ضوءٍ يودعُ آخر النهار بعينينِ  يملأُهما وميضٌ مُستمد من ...

وتظل أنثى / بقلم: هدى الجاسم

ضَحِكت ْوناجاها الحبيب ُعشيةً وتبسمَ الثغرُ الجميلُ طويلاً وتناثرَ العطرُ الرقيقُ بمهجةٍ ...

إطلالة على كشكول رباعي متكامل / بقلم: زياد جيوسي

في 438 صفحة من القطع الكبير وجهد ليس بالسهل كان الكاتب والناقد ...

واحة الفكر Mêrga raman