الرئيسية / إبداعات / مدار السرطان/بقلم: منال غانم مصطفى

مدار السرطان/بقلم: منال غانم مصطفى

“أتعرفين يا رغد أنّي أشتاق لرائحة الطبخ في البيت. إلى تلك الرائحة التي تنبعث منها رائحة البهارات التي تعبق بالغرف وتشمّينها منذ أن تطأ قدماك مدخل البيت، ويندفع أولادك إلى المطبخ على عجل، يسألون: “ماذا طبخت لنا اليوم يا أمّي”؟ نعم إنّهم يشتاقون إلى طبخي، ولكن لم أعد أقوى على الوقوف على رجليَّ من شدّة المرض فجلّ أعمالي أؤدّيها وأنا جالسة على السّرير أو نائمة تحت تأثير الأدوية، وعندما أصحو أجد طعام حماتي أو أمّي بجانبي وصوت أولادي يملأ البيت”.
“رغد! أريد منك أن تنعمي وتتمتّعي وتغتنمي الوقت، فالصحّة تاج على رؤوس الأصحّاء وأنت تريْن بأمّ عينيك كيف كنت وكيف أصبحت الان”!
“صديقتي سحر! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما أنزلَ اللهُ من داء إلاَّ وأنزلَ له شَفاء] وقال أيضا: “تداووا فإنّ الله لم يضع داء إلّا وضع له دواء غير الهرم”. فعلينا بالتداوي والاتّكال على ربّ العالمين وإنت إنسانة مؤمنة وستشفين بإذن الله. أنت قويّة ويجب أن تستمرّي بالنضال من أجلك ومن أجل أطفالك، يجب أن تنتصري على المرض يا حبيبتي”.
اعتادت رغد زيارة صديقتها الوحيدة التي كانت تعاني من مرض سرطان الثدي في بيتها ثلاث أو أربع مرّات في الأسبوع وأكثر ما كان يدهشها صوت أجراس الكنائس التي تجلجل في أرجاء البيت وتسمع صديقتها ترتّل من الإنجيل وتصلّي، وفي الوقت نفسه تصغي إلى صوت الآذان ينبعث ساجيًا أنيسًا من المسجد ينادي للصلاة، وترى صديقتها سحر أيضًا ترفع يديْها إلى السّماء وتكبّر “الله أكبر .. الله أكبر” مع كلّ آذان. كانت تستغرب من قوّة إيمانها خاصّة عندما كانت تردّد: “الدين هو محبّة الله، لا فرق بين مسيحيّ أو مسلم أو آية من أيّ ديانة موحّدة وجود الله.
كانت الشمس في كامل إشراقها الصباحيّ، تبعث أشعّتها الحبيبة في كلّ زوايا البيت فتثير في النفوس فرحًا يزدان على وجه سحر الساحر وهي تتأمّل تلك المناظر التي تعبّر عن صور سيّدنا المسيح وأمّه مريم “عليهما السلام” في كلّ مكان من البيت، كانت رغد تقترب وتتأمّل التفاصيل، التصاميم وتتساءل ذات الأسئلة: “لما هذه التصاميم؟ وعمَّ تعبّر؟ فالبسمة ترتسم على محيّاهما الوضّائيْن، إنّ هذه التصاميم تذكرها بمداومة الصلاة ومواصلة الدعاء والرغبة في امتلاك القدرة على الاستمرار في سارية الحياة المنيرة.
كانت علاقتهما أشبه ما تكون بحبل متين، متواصل، لا ينفصم بل وكأنّه يمتدّ من قرية رغد إلى قرية سحر، حبل في كلّ عقدة منه تكمن حياة أخرى، الواحدة تداوي وتآزر وتشدّ عضد الأخرى. في كلّ عقدة تستشعر شفافية متناهية حتّى في علاقاتهما الخاصّة مع أزواجهما، أولادهما وعائلاتهما، شفافية أشبه ما تكون بمرآة ذات وجهين، كلّ واحدة ترى نفسها في الأخرى، تقف من جهة تنظر فترى انعكاسًا لذات الشخصيّة في الشكل، رغم أنّ لكلّ واحدة جمالها المختلف، فهما تشبهان بعضهما البعض بقوّة الجمال وسحر أناقته، كلّ واحدة منها لها تفاصيل تشبه صفحتها الثانية. فرغد ذات الشعر الأسود الطويل يغطي أسفل ظهرها، بيضاء، صافية الوجه، عينان سوداوان، ممتلئة الجسم، لا تفارق وجهها الابتسامة، كلّ شيء في وجهها يضحك، ترى الفرح والأمل بالحياة يملأ محيّاها. أمّا سحر فهي السحر بعينه، ذلك الجمال الغربيّ والذي يذكّرك بجمال النساء الأجنبيّات الشقراوات، شعرها طويل يغطي أسفل الظهر، عينان زرقاوان ذواتا بريق أخّاذ، طويلة القامة تراها كممثّلات “هوليود”. كأنّهما تجمعان جمال الغرب والشرق. وها هي سحر تقول بصوت مبحوح: “أنا مريضة يا رغد بذلك المرض الخبيث. انتظرت رغد لحظة وفكّرت بأنّ سحر تمازحها وحارت في أمرها.
رغد: “لماذا هذا المزاح يا سحر”؟
سحر: “لا أمزح! لعن الله هذا المرض يا رغد، أنا مريضة ولم أخبرك حتّى تأكّدت بعد نتائج الفحوصات الكثيرة التي أجروها في مشفى “الكرمل” في مدينة “حيفا” وعيادة صندوق المرضى، ومن أسبوع فقط تلقّيت النتيجة بأنّني مريضة بأسوأ نوع من أنواعه، وقد انتشر أيضًا وتفشّى بسرعة في أنحاء جسمي، لذلك سوف ابدأ غدًا أوّل جلسة علاج بالكيماويّ”.
رغد: “لماذا لم تخبريني من قبل يا سحر كنت رافقتك وكنت إلى جانبك سندًا أثناء الفحوصات”.
سحر: “أريد منك أن تأتي معي إلى مصفّف الشعر في مدينة “نهاريا” حتّى أقوم بحلق شعري! هكذا طلبوا منّي كتهيئة للعلاج”.
رغد: “نعم! سوف أرافقك وسأكون معك بكلّ مراحل العلاج وأرجو أن لا تمنعيني من ذلك! أنا لا أحتمل أن أكون بعيدة عنك”.
رافقت رغد صديقتها إلى صالون الشعر وكانت سحر تتحسّر على شعرها الأصفر الطويل الذي قام مصفّف الشعر بتجديله ضفيرة طويلة وربطها بربطة شعر زهريّة اللون، ومن ثمّ قصّ الشعر شيئا فشيئا وبعدها حلقه كليًّا. كانت رغد تمسك بيدي صديقتها وأيديهما ترتجف ودموعهما تنهمر بكثافة وحرقة وكأنّ الهواء احتبس في داخلهما، وكأنّ صالون الشعر تحوّل إلى أرجوحة سريعة الدوران تدور بشدّة، جعلت تفكير كلّ واحدة منهما يقف، وتمسكان بيديهما بقوّة من شدّة الرعب والصراخ الداخلي! يملأهما، لا صوت يشبه ذلك الصوت الذي لو صدر لملأ المكان آهات وبكاء، لكن كانت الصرخات مكتومة بلا حسيس صوت.
اقتربت رغد من مصفّف الشعر وطلبت منه أن يقوم بقصّ شعرها بنفس الطريقة، وما أن انتهت سحر من حلاقة رأسها حتى جلست رغد على ذات الكرسي وطلبت من المصفّف أن يقوم بتسريح شعرها بضفيرة بذات الطريقة وقصّه قصيرًا جدًّا، أو ما يسمّى ” تسريحة ولد”.
كانت سحر ترمق رغد بعينيها الزرقاوين الدامعتين، وهي تحاول أن تقنعها بألّا تفعل! لكنّها لم تستطع النطق بل أشارت بإصبعها أن “لا لا يا رغد” لا تفعلي هذا! لكنّها أجابت: “أريد أن أكون مثلك، وسوف نتخطّى معا هذا المرض! أنا مثلك ومعك اصبري وسوف ترين أنّنا معًا أقوى من المرض.
كلّ مرّة كانتا تجتمعان معًا كانت رغد تسمع ذات الجمل التي كانت تردّدها سحر: “لماذا أنا التي مرضت؟ ماذا فعلت حتى يكون هذا جزائي؟ لمَ كلّ هذا التعب وما هذا التغيير الذي طرأ على حياتي فاضطربت ولم تدع شيئًا في مكانه حتّى شعري الجميل”؟ كان الجوّ يزداد اكفهرارًا وقتامة، ترين عليه غمامة رماديّة لا تنفك.

عن Xalid Derik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وأنت تهجر الغيم / بقلم: هيفين العلي

خذ من جبيني سرمدا وتقاطر كالسهر على أكمام غفوة ثم تصور إنك ...

غربة معلبة/ بقلم: آمال القاسم

……………. ويظلُّ الشاعر يقف في جانب الطور الغربي من الحياة .. لا ...

مــتى الــقاكِ يــا أغــلى صديقةْ / بقلم: عبدالناصر عليوي العبيدي

  ——— وقــفتُ  أمــامَ عــينيها الــرقيقةْ بــصمتٍ دامَ أكــثرَ مــن دقــيقةْ . ...

أدب الأسرى في كتاب “تصدع الجدران”

أدب الأسرى في كتاب “تصدع الجدران”   صدر عن دار الرعاة للدراسات ...

أرنو إليك/ بقلم: كوثر وهبي

أرنو إليك يا سريَّ الثمين بالجلال تضيءُ روحي وتنثرني غيماً في الخواء ...

بعض الجنون فرح / بقلم: مها كندور

بتأملٍ  هادئ في ضوءٍ يودعُ آخر النهار بعينينِ  يملأُهما وميضٌ مُستمد من ...

وتظل أنثى / بقلم: هدى الجاسم

ضَحِكت ْوناجاها الحبيب ُعشيةً وتبسمَ الثغرُ الجميلُ طويلاً وتناثرَ العطرُ الرقيقُ بمهجةٍ ...

إطلالة على كشكول رباعي متكامل / بقلم: زياد جيوسي

في 438 صفحة من القطع الكبير وجهد ليس بالسهل كان الكاتب والناقد ...

واحة الفكر Mêrga raman