أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / ريشيليو … / عنان محروس

ريشيليو … / عنان محروس

عنان محروس

ريشيليو … 

 

لا يغفو قلبُ الأب، إلا بعد أن تغفو جميع القلوب ”

كهلٌ تجاوز السبعين، على كرسي متحرك، مصاب بالشلل والرعاش وبداءِ الذكريات.

يرقبُ الطرقات .. وكأن فيها انعتاقَ روحه ِ من قيدٍ أتعبه سنيناً ..

ستائر نافذته الرثة تحجبُ عنه بعض الرؤيا .. فتبعدها يدهُ المرتجفة بصعوبة …

أثاث الغرفة .. سريرٌ يفتقدُ صاحبته، وخزانة تحوي ملابسه وملابساً لسيدةٍ لم تُمس منذ فترةٍ ليست بقليلة ..

هم .. أصدقاؤه المخلصون، يعرفهم جيداً ويعرفونه ..

شهدوا معهُ أياماً جميلة ..

ورفيقةُ دربه قبل أن يختارها الموت .. رقيقةً كانت .. أحبَها منذُ النظرةِ الأولى ..

وهي عشقتهُ كما يجب أن يكون العشق ..

عطوفة .. بشوشة .. أسعدتهُ حيناً من دهرٍ ..

موتها كسرَ قلبهُ ..

وما زال لهذه اللحظة يسمع صدى صوتها في أركان الغرفةِ تناديه .. وتضحك ..

أسعدُ لحظاتهِ معها ميلاد ابنه منها ..

ابنه الذي أغدقَ عليه وأعطاه كل ما يملك ليتملك حياة آمنه … كريمة .

لم يسيطر على دموعه .. هطلت وهو يردد :

(وحدهم الأموات الذين تركونا بغير رغبةٍ منهم يستحقون دموعنا)

 

على فراش الموت كانت توصيه بابنهم الوحيد، لم ينتابها الشكُ للحظة أن ابنها من يحتاج لتلك الوصية ..

تمرُ ليال عجاف .. ووجعهُ فيها يكبر ..

يخرج ابنه صباحاً .. يطارد ُ أوهامهُ .. ويعود متأخراً غير مكترثٍ

بوالدٍ انحنى جسده ليرفعهُ ..

يسمعُ فقط وقع أقدامهِ وهو يمرُ من أمام غرفتهِ فيبتسم أنه بخير

وقد تتباطأ خطواتهِ، في إحدى تلك الليالي فيعظم الأمل بقلب الأب ِ ..

بأنه قد يأتي ويراه .. أو يسمع صوته الذي اشتاقه ..

مجرد أمل .. لا يتحقق ..

وتتوالى الأيام ..

والعجوز في غرفتهِ يُحدث الجدران عن أيام شبابه وعن عروسه .. كم كانت فاتنة ..

لا يقطع حديثه إلا لحظات من ألم ومذلة …

وزوجةُ ابنهِ المتسلطة ترمي بعضاً من طعامٍ وشرابٍ له .. وهي تتأفف متذمرة ..

سمعها اليوم .. تقول للخادمة بعصبية :

غداً سنزيل الستائر القديمة البشعة .. وننظف الغرفة من القذارة .. العجوز سيذهب لدار المسنين

كل محيطات الأرض لن تستطيع أن تُبللَ ريقهُ الذي جفَ فجأة ..

حاول عبثاً أن تصل يدهُ المرتعشة إلى كأس الماء القريب ..

برودة غريبة اجتاحت جسدهُ المتعب فجأة ..

وألقت جفونه المثقلة ستار الدهشةِ الأخيرة على عينيه فأغمضها مجبراً ..

وفي لحظةٍ مسروقة من حياة فانية .. رآها ..

عروسه .. كما كانت .. شابةً جميلة ً ..

ترتدي فستانها الأخضر الذي يحبه ..

مدّت لهُ يدها مبتسمة .. وقفَ على قدميه ِ ..

اختفى الرعاش ..

 

وأمسكها بقبضتهِ القوية ..

وكأنه في عنفوان شبابهِ ..

 

لحظةً .. هي آخر ما عهده من الدنيا ..

 

” وقضى ربكَ ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ”

 

 

بقلم: عنان محروس/ الأردن

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.