أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / الأمّ و الإبن / نوميديا جرّوفي

الأمّ و الإبن / نوميديا جرّوفي

 

الأمّ و الإبن

 

هكذا أرادت أن يكون العنوان..
في آخر سفراتي أنا و رفيق الدرب لتونس، و في مطار قرطاج و نحن عائدان صادفتها،كنت أسجل أمتعتي لآخذ تذكرتي بعد أن سبقني لأنه كان قبلي.
جاءتني سيدة موقرة و طلبت مساعدتي:
– مرحبا يا ابنتي
– مرحبا
– ممكن أطلب خدمة؟
– بكلّ تأكيد،أنا في الخدمة يا خالة
– أرجوك أن تهتمّي بهذه العجوز و تحملي عنها حقيبتها حتى تركب الطائرة،فهي لوحدها و مريضة و أخشى عليها، حتى أنها لا بطيئة في المشي.
– تأمرين يا خالة،هي معي منذ الآن أهتمّ بها حتّى تصل لأهلها، لا تقلقي، هي بمثابة جدّتي.
– ألف ألف شكر لك يا ابنتي
– العفو
– رحلة سعيدة و رافقتكم السلامة
– شكرا لك.. وداعا

و هكذا صار،حملت أمتعتها و أمسكتها من يدها، و دخلنا صالة الإنتظار.
و أنا أدردش مع زوجي كنتُ أقرأ ملامحها الحزينة،و تحيط بها كآبة.
حاولت أن أخرجها من عزلتها فسألتها:
– هل تحتاجين شيء يا خالة؟
– لا شيء يا ابنتي، أنت تُقدّمين لي أكبر خدمة باهتمامك هذا، لا ينقصني شيء.. و لا أعرف كيف أكافئك..
قاطعتها ،قائلة:
– لا تُكرّري كلامك هذا أرجوك،فأنا لم أفعل شيء، و هذا واجب عليّ،فأنت بمثابة جدّتي.. أطال الله في عمرك.. هل كنت في سياحة أم زيارة أقارب؟
– كنت عند صديقة للعائلة ،تلك التي تحدثت معك، كنت مريضة و هي اهتمت بي و عالجني أحد أبنائها بصفته طبيب، و أنا عائدة حيث لا بيت لي، حيث التيه و الشّرود من جديد، أنا كلاجئة كل يوم في بيت..
– كيف؟ أليس لديك بيت؟
– كان عندي، و أنا بدونه الآن .. طُردت منه للشارع و أنا في عمر السادس و الثمانين.
– يا الله، من طردك؟ و كيف يجرؤ؟ و هو ملكك؟
– آه للدنيا!! هو ابني و حشاشة كبدي من رماني في الشارع؟
– ماذا؟ لماذا ؟ هل فقد عقله؟
سأقصّ عليك السبب يا ابنتي:

– كنت في عزّي و كرامتي قبل وفاة زوجي بسنتين، فقد كنت ملكة،كان المرحوم يُحبني جدا، تزوجنا عن قصة حب و هو يكبرني بثلاثين عاما، لم أشعر بفارق العمر يوما،كان يقدسني.،اشترينا شقة من أربعة غرف وأرادها باسمي، لكنّي رفضت هذه الفكرة، فسجلها باسمه و عشنا في رغد حتى رزقنا بابنة و ابن، فرحنا يهما، فقد كانا ثمرة حبّنا.
ربّيتهما أحسن تربية ،تعبت لأجلهما و تعذبت ليصلا للمكانة التي هما عليها الآن.
قبل أن يفارق زوجي الحياة بذلك المرض العضال ، السرطان الذي سلب حياة الكثيرين،سجل البيت باسمهما معا، حتى يكون عادلا بينهما و بعد أشهر قليلة غادرنا للأبد حيث لا عودة.
فقدت رفيق دربي و زوجي و حبيبي و أظلمت الدنيا في عيني.فقدت سندي في الحياة
تزوجت ابنتي و غادرت لبيتها، و تزوج ابني بعدها و جلب زوجته للبيت.
قالت لي ابنتي يوما:
– تعالي معي يا ماما، تعيشين معي و زوجي..لكني رفضت و قلت:
– دعيني حيث أشتم رائحة والدك، فأنا مرتاحة لا ينقصني شيء.
– حسنا،مثلما تريدين ماما، عيشي في القسم الذي كتبه لي المرحوم بابا،فأنا لا أحتاجه و هو ملكك الآن
لكن شاءت الأقدار، أن يأتي يوم و يرميني ابني في الشارع مع حزمة من ثيابي بسبب زوجته،قائلا:
– اذهبي .. غادري.. و اخرجي من بيتي فقد ضقت ذرعا بك..
– كيف تطردني من بيتي؟
– إنه بيتي الآن.. لم يعد بيتك. أخذني بالقوة و رماني خارجا في ظلمة الليل ثم أغلق الباب.
لا أنسى ذلك اليوم،أمضيته مسهدة في مدخل العمارة وسط برد الشتاء.
انتظرت الصباح بفارغ الصبر،و سافرت عند ابنتي، هي الوحيدة التي تهتم بي، و قد ارسلتني لأتعالج و أغير الجوّ قليلا.
أتعرفين؟ تمنيت أن أموت في بيتي حيث عشت أروع أيام حياتي مع زوجي.. لكن…
و أجهشت بالبكاء… جعلتني أبكي و أنا أرى دموعها في هذا العمر.
لعنت ابنها العاق الذي رماها و جعلها حزينة لما تبقى لها من عمر..
إيه لهذا العاق الذي نسي ما فعلت هي لأجله ليصبح رجلا .كيف نسي أن هذه التي تبكي أمامي تملك الجنة تحت أقدامها. نسي سهرها عليه و هو طفل. نسي أن سخطها و غضبها سيجعله يدفع الثمن باهضا مستقبلا. رماها و هي في أمسّ الحاجة الآن لرعايته لها كما رعته يوما.
مسحت دموعها و حضنتها و أنا أقبّل رأسها حتى هدأت،ثم غادنا و أنا أمسكها حتى أجلستها في الطائرة .كنت أراقبها من بعيد لو احتاجت شيء.
بقيت و زوجي متأسفين لمآلها و هي في آخر العمر بتلك الدموع التي أدمت قلبينا.
عند وصولنا ، حملنا أمتعتها حتى أوصلناها لابنتها،فشكرتنا، و حضنتني بقوة و هي تودعنا شاكرة.. و لا أنسى تلك الدمعة المتحجرة في حدقتيها.
وعدتها بأنّني سأكتبها .
( مطار قرطاج ٠٣/٠٥/٢٠١٨)

 

بقلم: نوميديا جرّوفي

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.