من خوازيق السياسة الفلسطينية:

السلطة الفلسطينية عرّاب التطبيع السعودي

 

يبدو- والله أعلى وأعلم- أن السلطة الفلسطينية شعرت بالملل دون أن يكون لها دور أو حصة في كعكة التطبيع العربي الزاحف بقوة من كل فجّ عميق، ليشهدوا لهم منافع فيه، فبدلا من أن تشجب وتولول وتحرد، وتخسر مالا وسفرا، وامتيازات، فأعربت عن مساعداتها لتكون عرّابا هذه المرة لتطبيع السعودية مع الاحتلال. السلطة بهذا الإجراء السياسي التكتيكي “البراغماتي جداً” تتحاشى ما كانت تفعله بنا أمهاتنا ونحن أطفال، عندما كنا نحرد عن الطعام أو الشراب أو عطية ما، فيُدِرن وجوههن عنّا غير آبهات بحردنا، وتذهب الحصة لغيرنا من “الواقعيين” العمليين من أشقائنا، أما الحردان، فالله لا يقيمه، وراحت عليه! هكذا ببساطة لعبة السياسة اليوم، طفل سياسة أو أحمق لا فرق، يريد أن يكون له نصيب لأنه جرّب الحرد مع الإمارات فراحت عليه، ورجع صاغرا ذليلا يشمشم من فتات المال الإماراتي. لقد تعلموا أخيرا أن الحرد لا يجدي نفعا، فعليك أن تنخرط باللعبة، وعليّ وعلى أعدائي يا شعبنا المناضل! وكما قالت ستي الله يرحمها: “وَهُو يا ستي قطعة ولا القطيعة”. كانت ستي رحمها الله أيضا تفهم بالسياسة، هذا ما اكتشفته بعد رحيلها.

أما السعودية، فالحق يقال والله، إنها “حريصة على ألا تغضب السلطة من التطبيع”، لذا فإن التطبيع القادم لن يتم إلا برضا السلطة، وإشراكها في الرشف من صحن “الشوربة” ولو بملعقة صغيرة، كملعقة دواء الأكامول الإسرائيلي للأطفال، فقد أثبت نجاعته ضد الحمى! فها هي السلطة كما جاء في الخبر تطالب السعودية “بتجديد المساعدات المالية التي أوقفتها الرياض قبل عدة سنوات”. فالرياض أيضا “تعطي وتحرم زيّ هواك”- هوى نتنياهو وهوى بايدين ملك الروم المعظّم.

وليس التطبيع السعودي، بل كل “التطبيعات” القادمة لن تسمح السلطة بمرورها دون أن يكون لها “حصة ما” أو “امتياز ما”. أما كونهم طالبوا بطلبات “وطنية” كهذه الواردة في خبر صحيفة القدس على صدر صفحتها الأولى يوم الجمعة في الفاتح من سبتمبر 2023، والقاضية بتبادل أراضٍ والدفع إلى استئناف مفاوضات فهي طلبات خيالية تعرف مسبقا أن “اليهود الغلابى” الذين يعانون من الاضطهاد لن يوافقوا عليها مطلقا، بل سيسخرون منها، هذا إن كان ما طرح إعلاميا فعلا وحقا سيقال خلف الأبواب الموصودة، فالاحتلال انتهك أ و ب و ج وانتهك حرمة الأموات قبل الأحياء، وسرق الماء والتراب والهواء، فهل سيعطينا أراضي بدلا من أراضٍ! فالنتنياهو غير معني بتقديم مثل هذه “التنازلات”، ولن يكون مستعدا لبحثها مع نفسه حتى، فهي بالنسبة له، نكتة مثيرة للقرف، فقد “شاخ على التيوس بلا فلوس” فما الذي يجبره لتقديم هكذا تنازلات؟

عدا أن منطق الاستبدال الوارد في الخبر بحد ذاته جريمة، كأن الأرض الفلسطينية قطعة قماش ملك شخصي لأزلام السلطة القابعين في المقاطعة الراملّاوية يبادلونها ويستعملونها ويتصدقون بها كما يشاءون، وعلى أي أساس يتم الاستبدال؟ أليست كل الأرض لنا؟ إنهم يتعاملون مع الموضوع بمنطق الغباء العام، واستعباد العباد، دون أدنى إحساس بالكرامة الوطنية، أو الشخصية على أقل تقدير.

أي استغباء هذا؟ وأي استحمار لهذا الشعب الذي يدفع يوميا من دمه وعرق جبينه ثمن فواتير المقاطعة والسفراء والمحافظين الجدد والقدماء وامتيازات الوزراء والأعيان وأبنائهم في الداخل والخارج.

السلطة تعلم أن طلبها بتبادل الأراضي سيضاف إلى قائمة المستحيلات، (بما فيها المساعدات السعودية إلا إذا أوعز بايدن بدفعها أو بتقديم جزء منها كرشوة سياسية داخلية)، لتصبح تسعة مستحيلات بعد أن أضاف وائل كفوري قبل سنوات مستحيله الثامن “لما ضحكت وخصرك مال” على رأيه. وبهذا سيصبح المستحيل التاسع لما “إسرائيل تضحك وخصرها يميل” من طلب السلطة غير المعقول والجنوني، فالأرض كل الأرض تحت سيطرتها، بل وكل من قي المقاطعة وما حول المقاطعة يأتمرون بأمر نتنياهو ومن هو أحقر من نتنياهو رتبة ومرتبة.

وبهذا القرار السياسي الفلسطيني تكون السلطة الفلسطينية قد دقت خازوقا آخر من خوازيقها السياسية في لحم الإنسان الفلسطيني وعظمه قبل أرضه وقضيته، وصارت تلحق “الأخضر” لتنتفخ جيوب القادة من جهة، وتنتفخ السجون بالأحرار المناضلين من جهة أخرى. وكلّ ميسر لما خلق له، فالسلطة خلقت للتطبيع، والشرفاء خلقوا للنضال والتحرير. إنها قسمة ليست “ضيزى” إنها القسمة العادلة، فهنيئا لكل طرف بما قسمه الله له!