حين أتخيّل المستقبل، أرى نفسي أجلس في محطة القطار منتظرًا القطار المسافر إلى بغداد. إنه خطّ القطار الذي بُني ليصل حيفا ببغداد، بعد أن حلّ السلام وأقيمت الدولة الفلسطينيّة والتي يشكل فيها اليهود أقلية غنيّة تسيطر على مجالات التجارة والمال. أحتسي فنجان قهوة من ماكينة يكفي أن تقول لها ما تريد لكي تزوّدك باختيارك. أدخّن سجائر فلسطينية من صنف “البحر الميت” وأتأمل الصباح. فجأة يأتي القطار فأستقلّه. أسمع صوت امرأة لطيفة تقول بالعربية العاميّة، والتي صارت اللغة الرسمية بعد تفكك اللغة العربية الفصحى: “يا جماعة الخير، هذا ترين من حيفا لبغداد، المحطة الجاي بيروت، بتأمل تنبسطوا بالقعدة”.

إمكانية أخرى لتصوّر مستقبلي تسير كما يلي: أرى نفسي داخل قاعة كبيرة، مليئة بالناس، وبجانبي زوجتي. لقد انضمّت إلى حركة “أنقذوا العرب من الانقراض”، التي تحاول تجنيد الأموال لحماية الأقلية العربية المضطهدة داخل الدولة اليهودية العظمى والشرسة. آخذ نفسًا عميقًا في حين يبدأ الجميع بالتصفيق. يظهر أحد أساتذة علم الاجتماع العرب ويبدأ بخطاب عن “هل بقي هنالك شعب عربي؟”. أقول لنفسي “فؤاد، أليست هذه كارثة؟ لقد قامت دولة إسرائيل العظمى الممتدة من البحر المتوسط إلى نهر الفرات، وقد محت هذه الدولة هوية العرب وحوّلتهم الى إسرائيليين وأعلنت اللغة العبريّة لغة رسمية في دول عربيّة كثيرة، ونفذت خطة “ليبردوف” الذي حقق مشروع “ليبرمان” المتمثل بــ”ميجا ترانسفير” للعرب إلى جزر الـ”بهاما”.

التصوّر المستقبلي الثالث يجري كما يلي: أنظر الى نفسي في المرآة، ثم أرتدي قبعتي العسكرية وأقول لنفسي “فؤاد، أنت جندي في جيش العرب، عليك أن تكون أنيق المظهر”، ثم افتح جريدة “الاتحاد” التي أصبحت الجريدة الأكثر شهرة في ولاية فلسطين، والتي صارت تصدر بالانجليزية والفرنسية إضافة إلى العربيّة. أتصفح الجريدة فتشد انتباهي مقالة بعنوان “الأمة العربية تسيطر على الاقتصاد العالمي”. تعلو شفتي ابتسامة. أغادر غرفة النوم منتقلاً إلى “الصالون”. يقرع الباب جاري نزار. أفتح فأجده مرتديًا ملابس ماركة “أحمد ولُطني”. يقول لي: “فؤاد، أخيرًا أنا مسافر إلى تايلاند مع “فلسطين إيرلاينز”.

لا بأس بغالبيّة هذه التخيلات، لكن الحقيقة هي أن واقعنا يضعنا في مكان يصعب منه التكهّن بما يخبئه المستقبل. وبنبره من التفاءل ,أريد أن أقتبس من أغنية للمغني الأمريكي “بوب سنكلار” بعنوان “World Hold On” أو “أيها العالم تمالك نفسك”، والتي يقول فيها: ” أيها العالم، تمالك نفسك. بدلا من أن تدمر المستقبل عليك أن تفتح ما بداخلك.

يا دنيا، تمالكي نفسكِ، فسوق تضطرين أن تفسري أمرك في يوم ما أمام أطفال السماء”. نعم، سوف يكون علينا   في يوم من الأيام أن نجيب على أسئلة أطفال المستقبل الذين سوف يصلون السماء.