أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / ذات حلم/سماح خليفة

ذات حلم/سماح خليفة

ذات حلم…

 

عاصفة… اسم على مسمى، تلك الفتاة الجامحة الصلبة القوية. ما زلت أذكر وجهها جيدا، ما زلت أستقرئ نظرات التحدي في عينيها جيدا، فتاة في ريعان شبابها لم تهدأ يوما. لم تغف ذاكرتي عن صورتها يوما. طالبة في المرحلة الثانوية فارعة القامة شقراء الشعر خضراء العينين ترتدي مريولها الأخضر وكوفية أبو عمار تزين كتفيها والحجر اللاهب يلثم يدها.

هذه الصورة في مخيلتي مرتبطة بالشارع الرئيس المقابل للبلدية شرقا ومقابل بيتنا في نفس الوقت غربا، يؤدي إلى مدرستي الابتدائية ومن ثم ينساب يسارا إلى المدرسة الثانوية المجاورة.

عاصفة لم تعصف في ذلك اليوم باكرا، كان الهدوء يرفل بظلاله على أرجاء الحي ورائحة القهوة تعبق بالمكان من بيتنا وحتى غرفة المعلمات في مدرستنا.

ساجدة المعلمة الجميلة الراقية الهادئة ذات الابتسامة الجذابة لم تهنأ بفنجان القهوة الذي يقبل يديها صباحا ولا حتى في نهاية الدوام؛ فصباحا سكبته إحدى طالبات الصف الأول على تنورتها الغجرية الموشحة بخضرة سهول طوباس وجبالها البهية. وأما في نهاية الدوام فقد سكبنه الطالبات أثناء خروجهن من الصفوف وهن مذعورات من صوت إطلاق النار من الصهاينة انغرسوا كشوكة في حلق الشارع الرئيس المؤدي إلى بيتنا.

حدسي كان ينبئني بأنها عاصفة، رجمت دبابة هؤلاء الصهاينة أثناء مرورهم من ذاك الشارع واستفزازهم أهالي الحي.

انتشيت لذلك المشهد فقد كان حدسي في محله؛ دبابة إسرائيلية تغلق الشارع المؤدي إلى بيتنا، وعاصفة تقود مجموعة من الصبايا والشبان الملثمين يرشقون الحجارة. فما كان مني إلا أن أشارك في هذا الحدث بفرح ممزوج بالخوف؛ فأنا أعلم أن هذا الحدث سيتبعه غاز مسيل للدموع لتفرقة المتظاهرين ثم منعا للتجوال، فكيف سأصل البيت في هذه الحالة؟!!. لم يطل حديث الجوى هذا حتى قطع حباله صوت جهوري من أحد الشباب: “ألست أخت سعيد يا فتاة؟! ماذا تفعلين هنا؟ انت صغيرة على الحجر” خطفني بين ذراعيه كالمارد واجتاز بي تلك المعمعة من طريق التفافية حتى أوصلني باب البيت. لحظات حتى بدأت قنابل المسيل للدموع تنفجر في الفضاء.

صعدت الدرج أحبو وأنا أستنشق الغاز، أضرب الدرابزين أنادي ولا مجيب. وهذا طبيعي ففي مثل هذه الظروف سكان الحي يرصدون الأبواب والشبابيك ويغلقون أي فتحة أو منفس لعدم تسرب الغاز ويتركون كيسا من الفحم داخل الغرفة وقطع من البصل والكولونيا. يرمون جزءا منها في الشوارع قبل الإغلاق حتى يسعفوا المتظاهرين ويتركوا الباقي يتنشقون رائحته.

أذكر كيف أصبح العالم حولي في تلك اللحظة ضبابا وغبت عن الوعي. رأيتني ملفوفة بقطعة بيضاء بجانب أحد القبور بين يدي شخص لم ألحظ وجهه، وآخر يمر به يسأله: “من هذه؟”….

“هذه سماح استشهدت”…

ما إن سمعت هذا حتى نهضت من حلمي مفزوعة فتحت عيني فإذا بهدوء يجتاح المكان ولا أثر لمسيل الدموع. دفعت الباب ودخلت. نظر الجميع إلي باستنكار: “أين كنت حتى هذا الوقت؟!” وأما والدي: “لماذا كل هذا التأخير؟!!. لا حول ولا قوة إلا بالله، لو أصابك مكروه ماذا سيحدث لي؟”

لا تخف يا والدي لن يصيبني أي مكروه”!

 

 

 

 

سماح خليفة/ فلسطين

كاتبة

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.