
ريم النقري: لم أختر الكتابة بل هي اختارتني في لحظة الحاجة/ حاورها خالد ديريك

ريم النقري: لم أختر الكتابة بل هي اختارتني في لحظة الحاجة
- لا أحاول رأب فجوات الروح بل إضاءتها.
- الكتابة طريقة أخرى للوجود.. والفلسفة في نصوصي تكثيفٌ لا تنظير.
- بين ميزان العيادة وجاذبية الحبر الصوفي..
رحلة الانعتاق من “زكام حرب وحب” إلى “ما نسيه الغيم”.
ولدت في وسط بلدٍ تعاقبت عليه الحضارات، ومنه تعلمت أبجدية الإبداع، لتكمل تعليمها وتصقل وعيها بين أزقة مدينتها ومدرجات صروحها العلمية. أتت الكتابة إليها كموهبة تسللت كالضوء إلى مساحتها الخاصة، فنمت بالممارسة والاكتساب. ومن رائحة تراب حمص التي تحفظ أسرار العابرين، انطلقت تجربة إبداعية توازن بين ميزان العيادة النفسية وجاذبية الحبر الإبداعي؛ تجربة تُرجمت نصوصها إلى عدة لغات عالمية، وشاركت في مهرجانات شعرية ونالت تكريمات محلية وعربية.
من خلال مقالاتها الأدبية التي تفكك تفاصيل الهموم المعاصرة، وثلاثية إصداراتها عن دار توتول بدمشق: “زكام حرب وحب”، “شريان زنبق”، و “ما نسيه الغيم”، يتجلى مشروع فكري يسعى إلى تحويل الألم اليومي إلى نوافذ من نور وبهاء. وفي هذا الحوار، نفتح النوافذ على عوالم ممتدة بين تخوم الجغرافيا، ووعي الأنثى، وأسرار الروح، مع الشاعرة السورية الأخصائية النفسية ريم النقري.

حوار أجراه: خالد ديريك
شذرات أولى من الحياة
تستعيد ذكرياتها الأولى في وسط سوريا قائلة:
”ولدت في مدينة حمص، حيث كانت الجدران تتكلم والأزقة تحتفظ بأسرار العابرين. طفولتي كانت مزيجاً من رائحة التراب بعد المطر وصوت الأذان الممزوج بناقوس الكنيسة، وكأن المدينة كانت تتعلم كيف تسع الجميع قبل أن تتعلم كيف تفقدهم.”
وحول تحقيق حلمها الأكاديمي، تؤكد:
”تابعت دراستي في الجامعة في الاختصاص الذي أحببته منذ البداية: علم النفس، ثم أكملت دراستي بنيل دبلوم التأهيل التربوي. والآن أعمل في مجال الإرشاد كمدربة تعديل سلوك ومختصة مشورة نفسية؛ أسعى دوماً إلى رأب الفجوة بين الروح والواقع، وبين ما نشعر به وما نعيشه. كبرتُ وحملتُ تلك الأسئلة معي، فصارت الكتابة محاولة لفهم ما رأيته، ومحاولة لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه، ولإتيان قول ما لا يُقال قبل أن يضيع كل شيء.”
________

بدايات القلم.. دهشة الاكتشاف
عن شرارة البدء المفاجئة في لحظة حاجة، تروي الشاعرة:
”الكتابة لم تأتني, بل تسللت إليّ كالضوء من تحت باب موصد. كنت في الثانية عشرة من عمري، أقرأ قصيدة لأدونيس في مجلة قديمة، فشعرت وكأن شيئاً ما انكسر في صدري، أو ربما انفتح. لم أختر الكتابة، بل فوجئت بأنها اختارتني في لحظة وحدة وحاجة إلى أن أمسك شيئاً لا يفلت، فالموهبة كانت فضولاً لا يشبع تجاه الكلمات، ورغبة في تفكيك العالم إلى حروف ثم إعادة تركيبه كما أشتهي.”
وعن تفاصيل خطواتها الأولى ودفترها الأول، تضيف:
”أول دفتر كتبتُ فيه كان دفتراً مدرسياً، على هوامشه كنت أدوّن ما لا أستطيع قوله لأحد، ثم أدركت لاحقاً أن الكتابة ليست مجرد هروب، بل هي طريقة أخرى للوجود، وطريقة تجعل الأشياء أكثر احتمالاً.”
ديوان “ما نسيه الغيم”.. احتفالٌ بالغياب
في قراءتها لإصدارها الجديد، ترفض الشاعرة تصنيف العمل كمرثية تقليدية، وتصفه:
””ما نسيه الغيم” ليس رثاءً، بل هو احتفالٌ بالغياب نفسه، وكتابةٌ في حضرة الفقد؛ حيث يصير الفقد حضوراً آخر أكثر صفاءً وغموضاً. الذاكرة في هذا الديوان ليست أداةً للحنين، بل هي أداة خلق؛ نعيد عبرها كتابة ما مضى لنمنحه حياةً جديدةً أكثر احتمالاً.”
وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون، تبين رؤيتها لتصدعات النفس:
”فجوات الروح لا أحاول رأبها، بل أضيئها؛ لأن الثقوب هي التي تدخل منها الريح، والريح هي التي تحمل الأصوات البعيدة.”
شعرية اليومي وعمق الفلسفة
عن فلسفة التكثيف وتحويل اليومي إلى عالم أوسع، توضح:
”اليومي ليس سطحياً، بل هو بوابة العمق. كل تفصيل صغير يحمل في طياته وجوداً بأكمله. التوازن هو أن أنظر إلى التفصيلة وكأنها آخر تفصيلة في العالم أو أولها، أن أمسك بها كمن يمسك بسر كوني ثم أدعها تتحدث عن نفسها.”
وعن غياب التنظير في نصوصها، تضيف:
”الفلسفة في كتابتي لا تأتي عبر التنظير، بل عبر التكثيف، عبر جعل التفصيلة الصغيرة مرآة تعكس الكون بأسره.”

وهم الجغرافيا والاحتمال
حول إعادة صياغة مفهوم المكان حين تضيق الأرض، تبين:
”الوطن، بعد أن ضاقت الأرض، لم يعد مكاناً، بل صار حالة توق دائم إلى شيء يسبق المكان ويبقى بعده. عندما تضيق الأرض تتسع الروح، وعندما ينهار الحجر تبنى مدينة أخرى في الداخل أكثر اتساعاً واحتمالاً.”
وعن حضور الوطن ككينونة لا تغادر قلمها، تؤكد:
”الوطن في كتابتي هو ذلك المكان الذي نحمله فينا ولا نحمله فيه، هو أن نكتب عن مكان ونحن في مكان آخر فنشعر أننا لم نغادره أبداً، لأنه صار لغتنا لا عنواننا.”
وعي الأنثى وقوام النبض
وعن رؤيتها للأنثى ككيان مكتفٍ بذاته يتجاوز التنميط، تشير:
”الأنثى في كتابتي ليست جسداً ولا حكاية تروى، بل هي طريقة للحضور، طريقة لتكون النبض نفسه لا انعكاساً له. عندما أقول: ‘انظر إليها جيداً، لا على الأنثى المستلقية خلفها’، أدعو إلى رؤية تتجاوز النظرة التقليدية، رؤية ترى في الأنثى وجوداً مكتفياً بذاته.”
وحول صياغة هذا الوعي كأصل للنبض والنص، تستطرد:
”الأنثى هي القوام الذي يمنح النبض معناه، والنص البكر الذي لا يُملك، بل يشارك، هي الوعي الذي لا ينتظر الاعتراف، بل ينتج معناه الخاص.”

صوفية الختام وبهاء الروح
وعن الأبعاد الصوفية في ختام ديوانها وجدلية النور والجسد، توضح:
”أنا لا أتخلص من ثقل الطين، بل أتعلم كيف أحمله بطريقة أخرى. الطين ليس عائقاً، بل هو مادة الخلق ذاتها. الختام الصوفي: ‘أم أن الغيب فيك هو الذي انحل فيك’ ليس دعوة للذوبان المطلق، بل اعتراف بأن الغيب يسكننا كما نسكنه، وأن الاتحاد ليس فقداناً للذات، بل اتساعاً لها.”
وحول فلسفة هذه الرحلة الروحية، تختتم:
”الرحلة ليست من الطين إلى النور، بل هي رحلة لاكتشاف النور في الطين نفسه.”
ثلاثية توتول.. من وطأة العارض إلى النضوج
وعن مسيرتها الإبداعية وتطور إصداراتها الثلاثة، تستعرض:
” ‘زكام حرب وحب’ كان ديوان البداية حيث كان الجرح شخصياً واليومي يئن تحت وطأة الحصار. ‘شريان زنبق’ كان محاولة للملمة وجعل الجرح ينبض بالحياة. أما ‘ما نسيه الغيم’ فهو ديوان الانعتاق في الجرح نفسه، إدراك بأن الألم حين يُكتب جيداً يصبح نافذة.”
وحول خلاصة هذا التحول عبر الزمن, تلخص:
”هذا التطور هو رحلة النضوج الشعري من الصراخ إلى الهمس، من التفصيل إلى التكثيف، من الحجر إلى الروح التي هي الحجر نفسه حين يتعلم كيف يضيء.”
الحبر والعبادة.. تفكيك النفس وتركيب الصورة
وعما إذا كانت القصيدة تمثل وسيلة للاستشفاء، تبين:
”القصيدة ليست أداة علاج بالمعنى السريري، بل هي فضاء للتحرير، مساحة للروح أن تتكلم بلغتها الأولى.”
وحول التقاطع الوجداني بين تخصصها النفسي وعالمها الإبداعي، تشرح:
”أدواتي النفسية تعلمني كيف أنصت إلى الألم ولا أخاف من مواجهته، بينما المخيلة تعلمني كيف أحول هذا الألم إلى جمال. التقاطع هو في فن الإنصات، إنصات النفس واللغة معاً. القصيدة عندي هي طريقة للحياة مع الجرح لا ضده، أن نكتب الألم لنصبح به أكثر حضوراً.”

عزلة الشاشات والاغتراب المعاصر
وحول قراءتها لاغتراب الإنسان المعاصر خلف الشاشات الباردة، توضح:
”الشاشات ليست هي المشكلة، بل هي مرآة لمشكلة أعمق: فقدان القدرة على الحضور الحقيقي. الإنسان خلف الشاشة يشبه طفلاً يضيء هاتفه في غرفة مظلمة ليرى ظله، وينسى أن النافذة لو فتحها لأشرقت الشمس.”
وعن أثر هذه العزلة الافتراضية في نصوصها، تسترسل:
”الشاشات تعلمنا كيف نكون حاضرين في غيابنا وغائبين في حضورنا. كتابتي عنها ليست نقداً، بل محاولة لفهم هذا الاغتراب الجديد وخلق فضاء شعري يعيد الحميمية إلى ما بين السطور.”
شفرة عالمية عابرة للغات
وعن الشفرة الإنسانية التي جعلت تجربتها تتخطى حدود اللغة والجغرافيا لتصل إلى الآخر، تبين:
”الشفرة هي الصدق، الصدق في مواجهة الألم والاحتفاء بالجمال والسؤال عن الوجود. الصدق ليس مجرد تعبير عما نشعر به، بل هو أن نكتب وكأنا في كل قصيدة نمسك بيد قارئ لا نعرفه ونقول له: ‘أنت لست وحدك’.”
وحول مفهوم الكونية والوصول إلى الآخر، تضيف:
”الكونية في الأدب لا تأتي من التعميم، بل من العمق الخاص الذي يصبح بصدقه ملكاً للجميع.”

خصوصيات.. بين الغيرة، الموسيقى، والغيوم
وفي مساحة أكثر قرباً من تفاصيلها الشخصية، تكشف الشاعرة عن جوانب من عالمها الخاص:
عن الغيرة، توضح: “أغار من الوقت، ومن كل شيء يسرق لحظةً كان يمكن أن تكون قصيدةً. أغار من النسيان ومن كل من يمر بحكاية ولا يبكيها.”
وعن الموسيقى واللون، تبين: “موسيقى فيروز، وموسيقى التخت الشرقي حيث يختلط الناي والعود في تناغم يذكرني بأن الجمال أحياناً يشبه الصمت. أما اللون الذي يسحرني فهو الأزرق؛ لون السماء في الربيع ولون الأمل الذي لا يموت.”
وحول حكمتها المفضلة وطبقها الأثير، تضيف: “‘كل ما ننساه، يمسك به الغيم، ويعيده إلينا مطراً، في ليلة لا ننتظرها’؛ لأنها تلخص إيماني بأن كل ما يضيع يعود بطريقة لا نتوقعها، وأن الغياب ليس نهاية، بل موعداً آخر مع الحضور. وطبخي المفضل هو الكبة، بطعم الطفولة والبيت والأم.”
وعن هواياتها الخفية، تختتم: “أحب التأمل في السماء، أراقب تشكل الغيوم وانحلالها، كأنني أشاهد قصائد تولد ثم تموت، في صمت جميل لا يحتاج إلى كلمات.”
مسك الختام
وفي ختام هذا الإبحار الفكري، توجه الشاعرة والأخصائية النفسية ريم النقري كلمة أخيرة:
”شكراً للأستاذ خالد ديريك، على أسئلته التي كانت مرآةً صافية، رأت في الكلمات ما لم يره غيره. سلام لكل مدينة تعلمت كيف تقوم من رمادها، وسلام للكلمات التي تظل، في النهاية، أكثر وفاءً من الذاكرة، وأكثر صدقاً من الحياة.”
14 يوليو 2026
ـــــــــــــــــــ
العدد (١٥٤) من جريدة (أوروك) الجريدة المركزية لوزارة الثقافة والسياحة والآثار . العراق

للقراءة أيضَا: