أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / سيّدي المدير/ بقلم: رشدي بن صالح سعداوي

سيّدي المدير/ بقلم: رشدي بن صالح سعداوي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سيّدي المدير/ بقلم: رشدي بن صالح سعداوي

……………………………..

كنّا نلتقي كلّ صباح، أنا في طريقي إلى عملي وهو في طريقه إلى مدرسته. يسير متثاقل الخطى متثائبا مكفهرّ الوجه منفوش الشّعر بملابس غير متناسقة لا لونا ولا شكلا وحذاء بنّيا يغطّيه الغبار. إنّه مدير مدرسة الحيّ. كهل تجاوز الخمسين ببضع سنين، لطالما صادفته عند الزّوال أمام بوّابة مدرسته ممسكا بقضيب من اللّدائن يجري في هذا الاتّجاه أو ذاك يصيح بذاك التّلميذ أو هذا. مشهد مضحك مبك ألفته لسنوات.

ثمّ حدث يوما أن لاقيته صباحا كالعادة ولكن خلاف عادته. كان يسارع الخطى كأنّه على موعد مع حبيبته، يخشى أن يتأخّر عليها فتتركه وتذهب لغيره. لباسه كان جميلا متناسقا وبريق حذاءه يسبق خطواته. شعره مرتّبا ورائحة عطر راق تنبعث منه. سبحان مغيّر الأحوال! حتّى أنّه ابتسم في وجهي وبادرني بتحيّة صباحية.

مضى في طريقه وتركني واقفا مكاني أنظر له وأتساءل عن سرّ ما رأيت متعجّبا، مستغربا ما رأيت. فمنذ كنت تلميذا بالمدرسة الابتدائية إلى أن أطلّ الشّيب من على أطراف رأسي لم أشهد تغييرا تربويّا بهذا العمق.

حملت أسئلتي معي ومضيت في طريقي. ليأتيني الجواب الكافي الشّافي بعد يومين. إنّه تلميذ بمدرسة سيّدنا المدير اللّغز. صادفني قرب المدرسة وفاجئني بسؤاله:

-ألم يصلك الخبر؟

أجبت بحركة تنمّ عن الاستغراب دون أن أتكلّم فأردف قائلا:

-سيّدي المدير! لقد أحيل على التّقاعد. هو الآن يعمل مسؤولا تربويّا بمدرسة خاصّة.

ومضى يلعب وتركني. لقد فكّ ذاك الطّفل لغز سيّدي المدير لكنّ معلومته حوّلت السّؤال إلى مائة سؤال.

عدت إلى البيت، جلست، فتحت التّلفاز. إنّها نشرة الأخبار. وتطايرت حولي العناوين:

.. إضراب في قطاع التّعليم… مقاطعة الامتحانات… حجب الأعداد… نظام سداسي… نظام ثلاثي… ليّ الذراع… لوحة رقمية لكلّ تلميذ… بدون نوافذ… بدون ماء… بدون كهرباء… التهاب الكبد الفيروسي… سقوط سقف… ملتقيات ومؤتمرات خمس نجوم… إصلاح تربوي… تدنّي المستوى… تسرّب مدرسي… معلّمون نوّاب… حاملي كاباس في إضراب… منحة العودة… مهنة ذات مخاطر… تدنّي المستوى المعيشي للمربّي… سنّ التّقاعد… وزارة… إتّحاد.. تلميذ عمومي.. تلميذ خاص.. انحراف.. انتحار..

صداع.. أصابني. تركت التّلفاز وذهبت للنّوم. حلمت نعم حلمت!

حلمت بسيّدي المدير بهيئته الثّانية لا الأولى يوزّع الورود أمام باب مدرسته العموميّة. ترك خلفه همّ الدّنيا لأنّ دولته كفته مذلّة الاحتياج صار سلاحه العلم وشعاره الأخلاق. وغدا لمّا أحيل على شرف المهنة، شرّف المهنة وترك المدارس الخاصّة لآلاف الشّباب وانصرف يخطّ كتبا ومنشورات وينشط في جمعيات ويتمتّع بالحياة.

 

  رشدي بن صالح سعداوي – تونس

عن Khalid Dêrik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.