سوسيولوجية الذاكرة والمكان والأُنس «في أُنس الأشياء» / كمال المصطفى
الأشياء بوصفها أوطان بديلة:
سوسيولوجية الذاكرة والمكان والأُنس «في أُنس الأشياء»
كمال المصطفى/ كاتب وناقد وفنان تشكيلي – المغرب
يتيح ديوان «في أُنس الأشياء» للشاعرة والمترجمة السورية فاطما خضر بناء قراءة سوسيولوجية في أفق الأدب المقارن، تتقاطع فيها التجربة الشعرية الفردية مع البنيات الاجتماعية والثقافية التي تنتجها وتمنحها دلالتها. فالأشياء التي تتحرك داخل النص لا تظهر بوصفها مجرد تفاصيل عابرة من الحياة اليومية، وإنما تتحول إلى وسائط رمزية تتقاطع عندها الذاكرة والمكان والهوية والعلاقات الإنسانية. ومن ثم فإن قراءة الديوان لا تستقيم بالوقوف عند القيمة الجمالية للشيء في حد ذاته، بل تقتضي الكشف عن شبكة العلاقات الاجتماعية والذاكرية التي تجعل منه علامة قابلة للتأويل.
وتبدو هذه المسألة أكثر وضوحًا في تصور الشاعرة نفسها لمشروعها حين تشير إلى أن الأشياء التي «نمر عليها عابرين» يمكن أن تتحول إلى «أوطاننا البديلة». فهذه العبارة لا تؤدي وظيفة شعرية فحسب، وإنما تفتح إمكانًا تأويليًا يتصل بسؤال الانتماء وعلاقة الفرد بمحيطه المادي والرمزي. فالشيء الذي يبدو عابرًا في الحياة اليومية يصبح، داخل القصيدة، حاملًا لجزء من سيرة الذات، ووسيطًا لاستعادة المكان، ومستودعًا لآثار الماضي.
ومن منظور سوسيولوجيا الأدب، لا يمكن فصل هذه الدلالة عن السياق الاجتماعي الذي تتشكل فيه التجربة الفردية. فالذات التي تتحدث في الديوان ليست ذاتًا معزولة عن العالم، وإنما ذات تكونت داخل الأسرة والمكان والطفولة والصداقات والبيئة الثقافية. ولهذا فإن الأشياء التي تستعيدها ليست محملة بذاكرة شخصية فقط، بل بآثار العالم الاجتماعي الذي احتضن هذه التجربة.
وإذا كانت الشاعرة تصف تعاملها مع الأشياء بأنه «تجربة شعرية تقشيرية»، فإن هذا الوصف يمكن أن يُفهم بوصفه فعلًا لإزالة طبقات الاعتياد التي تحجب الدلالة الاجتماعية والثقافية للأشياء. الشعر، في هذا السياق، لا يضيف المعنى إلى الأشياء من الخارج بقدر ما يستخرج منها طبقات كانت مستترة بفعل الاستخدام اليومي والتعود.
ويكتسب المكان، في هذا الإطار، موقعًا مركزيًا في تشكيل المعنى. فالبيت والبيئة الساحلية وبحر طرطوس وغيرها من الأمكنة التي تستعاد في الديوان لا تظهر بوصفها خلفيات جغرافية محايدة، وإنما باعتبارها فضاءات تتكون داخلها التجربة الإنسانية. فالمكان يختزن العلاقات والأحداث والانفعالات، ويمنح الأشياء جزءًا من دلالتها، كما أن الأشياء نفسها تساعد على استعادة المكان حين يغيب أو يتغير.
ولتوضيح ما سبق، سنقتصر على أربعة نماذج من أبواب الديوان الستَّة:
يأتي الباب الأول من المجموعة بعنوان «في البدء كان الشعر»، الذي يعتبر مدخلًا مناسبًا لفهم وظيفة الكتابة في إنتاج العالم لا مجرد التعبير عنه. فإذا كشف الشاهد الشعري عن ارتباط الشعر بفعل النشأة والتكوين، فإن اللغة تصبح هنا ممارسة لإعادة تسمية الأشياء وإعادة ترتيب علاقتها بالذات. فالشعر لا يكتفي بتسجيل عالم موجود مسبقًا، بل يشارك في إنتاج صورته الرمزية. وهذا ما يجعل الكتابة فعلًا سيميائيًا بقدر ما هي فعل جمالي؛ لأنها تمنح الأشياء أسماء جديدة، وتضعها في علاقات جديدة، وتفتح أمامها إمكانات دلالية لم تكن ظاهرة في استعمالها اليومي.
أمَّا في الباب الثالث «وحوش صامتة»، فتتخذ العلاقة بين المستوى السيميائي والمستوى السوسيولوجي مسارًا مختلفًا، لأن الشاعرة لا تكتفي بأنسنة الأشياء الخارجية، بل تنتقل إلى تشخيص حالات نفسية مثل القلق والاكتئاب والتفكير الزائد والخوف. وهنا يتحول ما هو مجرد وغير مرئي إلى صورة لها جسد وحضور. فالقلق، مثلًا، لا يبقى حالة داخلية لا يمكن الإمساك بها، وإنما يتحول إلى «وحش»، أي إلى علامة يمكن تخيلها وتمثيلها ومواجهتها، وقد منحته الشاعرة لقب «سيَّد الخطايا»، وفي هذه القصيدة تقول: «أيُّها القلق/ يا سيِّد الخطايا/ ماذا فعلت بجسدي؟». ويمثل التشخيص في هذا السياق أكثر من مجرد أسلوب بلاغي؛ إنه آلية لإخراج التجربة النفسية من عزلتها الداخلية وتحويلها إلى موضوع قابل للتداول الرمزي. وهذا التحول من التجربة النفسية المجردة إلى العلامة المجسدة يكشف عن وظيفة أساسية للشعر: جعل اللامرئي قابلًا للرؤية والتأويل.
سوسيولوجية الذاكرة والمكان والأُنس «في أُنس الأشياء» / كمال المصطفى
لكن هذا المستوى النفسي لا ينبغي أن يُفصل عن مستواه الاجتماعي. فالقلق والعزلة والخوف والتفكير الزائد، وإن ظهرت بوصفها حالات فردية، تتشكل داخل علاقات اجتماعية ومؤثرات ثقافية وتوقعات وضغوط مختلفة. ومن ثم يمكن أن يصبح «الوحش» في الديوان علامة مزدوجة: علامة على معاناة الذات من جهة، وعلى ما لا يظهر بسهولة في الحياة الاجتماعية من جهة أخرى.
وتتخذ الأشياء في الباب الخامس «تأملات» وظيفة أرشيفية. فالشيء يحتفظ بآثار الزمن، ويستطيع أن يستدعي ما لم يعد حاضرًا. ومن هنا يمكن اعتباره أرشيفًا صغيرًا للحياة اليومية، يحفظ ما قد لا تسجله الذاكرة الرسمية أو الوثائق التاريخية. فعلى سبيل المثال تقول في قصيدة «البيت»: «النوافذ عيون/ستائرها أجفان/أحبُّها شبه مغمضة/ الجدران/ الشاهد الأصدق على الضد والنقيض/سماء من ضحك ودموع/السقف يا صدى أحلام/ تطالني قبل أن أطالها».
وعندما تستعيد الشاعرة شيئًا من الماضي، فإنها لا تستعيده كما كان بصورة محايدة، بل تعيد بناءه من موقع الحاضر. فالذاكرة ليست مجرد استرجاع، وإنما هي فعل تأويل وإعادة تنظيم للماضي. ففي قصيدة «جدليَّة اللحظة» من الباب نفسه «تأملات» تقول: «جرح الغد، ماضٍ غائر في عروقنا/حاضرٌ معلَّقٌ، غدٌ نعلِّق حياتنا عليه/ المسافة بينهما فصل كتاب بلا كتابة».
ويأتي الباب السادس والأخير «تمارين على الحب» في نهاية هذا المسار لتمنح مفهوم الأُنس بعده الأكثر اكتمالًا. فالحب لا يظهر بوصفه موضوعًا منفصلًا عن بنية الديوان، وإنما بوصفه ذروة لمسار طويل من البحث عن علاقة أكثر ألفة بالعالم. وإذا كانت الشاعرة تصف الحب بأنه «سيَّد الأُنس ومؤنس الأشياء»، فإن هذه العبارة تسمح بقراءة الخاتمة باعتبارها استكمالًا للمنطق الداخلي للديوان كله.
وبذلك يمكن قراءة الديوان من خلال حركة مزدوجة: حركة سيميائية ينتقل فيها الشيء من وجوده المادي إلى دلالته الرمزية، وحركة سوسيولوجية ينتقل فيها الخاص إلى العام، والفردي إلى الجماعي، والذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الثقافية. وتكمن القيمة السوسيولوجية للديوان في تحويل الحياة اليومية إلى مادة قابلة للقراءة الاجتماعية، بينما تكمن قيمته السيميائية في الكشف عن الطبقات المتعددة التي تجعل الشيء يتجاوز ذاته المادية. وعليه، فإن «الأوطان البديلة» التي تقترحها الشاعرة لا ينبغي فهمها بوصفها بدائل جغرافية فحسب، وإنما بوصفها فضاءات رمزية تتشكل من تفاعل الأشياء والأمكنة والذكريات والعلاقات.
ومن ثم يصبح «في أُنس الأشياء» أكثر من عنوان لديوان؛ إنه تصور شعري للعلاقة بين الذات والعالم، يقوم على أن ما يبدو هامشيًا في الحياة اليومية قد يكون، في عمقه، أكثر الأشياء قدرة على حفظ الإنسان من النسيان.

التالي:

سوسيولوجية الذاكرة والمكان والأُنس «في أُنس الأشياء» / كمال المصطفى