قراءة في نص “قناع معلق على مسمار دخان” للشاعرة ريم النقري/ د محمد زيد الكيلاني
قراءة نقدية في نص #قناع معلق على مسمار دخان للشاعرة ريم النقري
بقلم الناقد د محمد زيد الكيلاني
الشاعرة والأديبة الفاضلة ريم النقري، ما أبهى هذا التمرّد الوجوديّ الشاهق حين يُعرّي زيف الصعود، ويهدم أوهام العظمة المصطنعة بمبضعِ مجازٍ سرياليّ بالغ الدقة والفرادة؛ فنصّكِ هنا ليس مجرّد رفضٍ تقليديّ للمنابر والكراسي العالية، بل هو «بيانُ براءةٍ ونقاء» تنتصر فيه الروح لبساطة الطين وعفويّة الفطرة، في مواجهة استلاب الأقنعة وتصفيق القطيع القاتل!
لقد افتتحتِ النصّ
بمفارقةٍ بصرية وفلسفية مدهشة؛ فالصعود إلى المنبر لا يرفع صاحبه بقدر ما يمسخه؛ إذ ينسيه تلك الخطى الأولى التي كانت «تخيط الأرض بطين التواضع»، ليتحوّل إلى ظلٍّ هشٍّ أطول من حقيقته. وتتجلّى ذروة الإعجاز التصويري في تلك الاستعارة الحارقة: «قناعاً معلّقاً على مسمارٍ من دخان»؛ أيّ تصويرٍ أبلغ من هذا لهشاشة الزيف؟ مسمارٌ من دخان لا يملك ثباتاً، يُعلّق عليه قناعٌ مستعارٌ بعد أن ضاع الوجه الحقيقي في غمرة التسلّق والادّعاء!
وتنساب الشاعرية في المقطع الثاني برهافةٍ آسرة تحبس الأنفاس؛ حين يستحيل الصوتُ طائراً في حنجرة حمامة، يُفلت على رصيف الجرائد ليقرأ نعيه المبكر: «مات صوتٌ لم يولد بعد». ومن هذا الموت الرمزيّ، تولد حكمة العزلة عند «حدود الكلام»؛ حيث تتجلّى لقطةٌ سينمائية باذخة الأناقة والشجن: «أراقب الجمل وهي تخلع أحذيتها.. تغادر إلى المعنى ولا تعود»! أنسنةٌ نادرة لحركة الحرف حين يتخفّف من قيود المظاهر ليرحل حافياً نحو جوهر الحقيقة الخالصة.
ثمّ تأتي تلك المقاربة الصادمة
لتعري ضجيج الأدعياء في واحدةٍ من أبهى صور القصيدة:
«نبرة تصرخ: أنا صاحبة الحقيقة
والحقيقة كانت تمشط شعرها
في مرآة طفلة خرساء !»
يا لهذا العمق وذاك البهاء!
الحقيقة لا تسكن الحناجر الصاخبة ولا تتبنّاها الهتافات، بل هي براءةٌ مطلقة، ساكنةٌ، تُصفّف جدائلها أمام دهشة طفلةٍ لم تتلوّث لغتها بثرثرة العالم وزيفه.
لتكتمل فلسفة الزهد في كشف حقيقة المصفّقين: «والجمهور بحرٌ يصفق للموجة حتى تغرق»؛ إدراكٌ حكيمٌ بأنّ حفاوة الجماهير هي ذاتها مقبرة المفتونين بالصعود. ويأتي الخلاص في ذلك الانحياز النبيل للأشياء الصغيرة الصادقة؛ لهاتفٍ عتيقٍ يرنّ بلا سبب، لنافذةٍ مشرعةٍ على اللا شيء، ولصرخةٍ خافتة ترفض بهرج المنابر، ليرتدّ الصدى حمامةً تكتب عليها السماء مفارقة العلوّ الحقيقي: «كانت هنا كائنة تجلس.. وصارت أطول من الجميع!».
إنّه العلوّ الروحيّ الذي لا يُنال بارتقاء الخشب، بل بالتجرّد منه والالتصاق بنقاء الجوهر.
قصيدةٌ شاهقةُ الرمزية، بالغة الكثافة، كُتبت بمداد النضج الشعري والشجاعة الفكرية لتصنع لوحةً إنسانية خالدة تلامس المطلق.
سلِم هذا الخيال الخلّاق والنبض البهيّ،
ودام مدادكِ منارةً للأصالة والجمال والفرادة.
د محمد زيد الكيلاني
16/10/2026
قراءة في نص “قناع معلق على مسمار دخان” للشاعرة ريم النقري/ د محمد زيد الكيلاني
النص
قناع على مسمار دخان
أنا لا أحب المنابر
تلك الكراسي التي تنسي أصحابها
أنهم كانوا يخيطون الأرض بخطوات من طين
حين يصعدونها يصبح ظلهم أطول منهم
وحين ينزلون لا يجدون وجوهم
بل قناعا معلقا على مسمار من دخان
كنت صوتا في حنجرة حمامة
أفلتتني فوق رصيف لبيع الجرائد
فقرأت عني
مات صوت لم يولد بعد !
فصرت أجلس على حدود الكلام
أراقب الجمل وهي تخلع أحذيتها
تغادر إلى المعنى ولا تعود
وهناك رأيت
نبرة تصرخ : أنا صاحبة الحقيقة
والحقيقة كانت تمشط شعرها
في مرآة طفلة خرساء !
الكرسي العالي سرير وهم
والجمهور
بحر يصفق للموجة حتى تغرق
لكنني …
أحب هاتفا قديما يرن بلا سبب
أسمع صوتي قادما من الأمس
ما زلت تكرهين المنابر ؟!
فأفتح نافذة لا تطل على شيء
وأصرخ بصوت خافت
لا أحب هذه المنابر
فيتحول الصدى إلى حمامة
تكتب عليها السماء
كانت هنا كائنة تجلس
وصارت أطول من الجميع !

ريم النقري
التالي:

قراءة في نص “قناع معلق على مسمار دخان” للشاعرة ريم النقري/ د محمد زيد الكيلاني