أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / أكذب من لبيب / بقلم: ميسون أسدي

أكذب من لبيب / بقلم: ميسون أسدي

أكذب من لبيب

بقلم: ميسون أسدي

قصة قصيرة

………………..

لا شكّ أن للكذب إغراء شديدًا ولا أحد يفلت منه! جميعنا نواجه مثل هذه المعضلات الأخلاقية طوال الوقت؛ وبما أن إغواء الكذب حولنا دائمًا، علينا أن نتّخذ القرارات الأخلاقية الصغيرة باستمرار، متى وكيف نكذب.

يعد الكذب صفة ذميمة يتحلّى بها بعض الأشخاص وتنبذها جميع الأعراف. فهو يقوم على تزييف الحقائق جزئيًّا أو كليًّا أو خلق روايات وأحداث لا صلة لها بالواقع. ولكن الكذب في قصّتنا هذه له لون وطعم آخر.

كلّ قرية ولها كذابها، في قريتنا عرف عن لبيب بأنّه سيّد الكاذبين وضُرب به المثل “أهشت من لبيب” أي “أكذب من لبيب”، وشعاره العلني كان: اكذب، اكذب، ثم اكذب حتّى يصدّقك الناس، وما زال يحمل الشعار نفسه، ويظن أنّه أذكى من جميع الناس فيروّج لهم ما يحبّون أن يستمعوا إليه من حديث، حتّى وإن حدث بعدها ما هو عكس ذلك تمامًا. ولم يشعر لبيب بعدم الرضا وتأنيب الضمير الذي يعمّنا بعدما نكذب أو يفتضح أمر كذبنا، ولا تصاحبه استجابات جسدية مثل زيادة معدّل ضربات القلب والتعرّق، بل العكس، يتصرّف بهدوء وعلى سجيّته. ولا تلحظ ظهور علامات لديه مثل العصبيّة وعدم التواصل في النظر معك أو مع أي من يتحدّث إليه، ولا تشعر أن لجسد لبيب أيّ رد فعل فسيولوجي يعارض سلك المسار الذي يشعره بالذنب، وعندما يكون هذا التفاعل غير موجود، يصبح هذا المسار أكثر إغراءً له.

يتوجه الجيران جميعًا إلى مجالسته في ديوانه يوميًّا، صيفًا وشتاءً للاستماع لقصصه التي لا تمت بصلة إلى الحقيقة وهم يعرفون ذلك، يذهبون من أجل المتعة والاستمتاع في خياله الخصب الذي لا ينضب، إلا شخصًا واحدًا، كان يقف له بالمرصاد دائمًا ويحاول إحراجه وتفنيد كلامه وهو أبو القاسم.

في إحدى الجلسات القروية أمام بيت لبيب، تجمع نفر من مريديه بقصد الاستماع إلى قصّة جديدة من قصصه الخياليّة وكان من بينهم أبو القاسم. تنحنح لبيب وقال باسترخاء لا يهزم كاسترخاء كبقرة نائمة: لن تصدقوا ما قصّه عليّ والدي…

عمّ السكوت ولم يتفوه أحدهم بحرف، لإتاحة الفرصة للبيب ليتحدث على هواه، فأضاف:

  • في إحدى ليالي أيام آب، كان والدي مستلقيًا في بستاننا في ساعات الفجر الأولى حين كان الندى يظلّل الشجر. يزخر برائحة لا يمكن أن تجدها في أي مكان آخر من هذا العالم، رائحة الشجر المجبولة برائحة التين ورائحة التراب وروث الحمام. أحسّ والدي وهو نائم، بنغزة في جانبه، فاعتقد أن أحدهم يوقظه، فتح عينيه، تلفت يمينًا وشمالًا ولم ير أحدًا، وعندما تأكّد أنه مجرد حلم عاد إلى النوم من جديد، لكن هذه المرة شعر بنغزة أقوى فاستيقظ مذعورًا ونظر إلى شماله، حيث جاءت النغزة فرأى رأس قرعة تقترب لخاصرته، فتساءل: من أين أتت؟ فبستان القرع الذي زرعه في الأمس بعيد فتتبع “شرش” القرعة وأخذ يسير إلى أن وصل بستان القرع وكان يبعد عنه أكثر من مائة متر. في البداية، اعتقد أنه يحلم، لكنّه اقتلع تلك القرعة وربطها بمؤخّرة التراكتور وسحبها إلى البيت.

هتف الحضور في ديوان لبيب وهللوا: سبحان الله…

كانوا يخفون وراء الهتاف سخرية كبيرة متأمّلين أن يزيدهم لبيب بقصص أخرى من جعبته. الوحيد الذي لم يهتف وبقي صامتًا هو أبو القاسم.

نظر أبو القاسم مباشرة إلى لبيب الكذاب في أثناء التخاطب معه ولاحظ عليه علامات الهدوء والتواصل في النظر مع الموجودين، كان مرتاحًا في حديثه. جسده ونفسه مرتبطان ومتواصلان خصوصًا الآن، حتّى أكتافه مرتاحة. كما أنّ نظراته كانت مباشرة.

تنحنح أبو القاسم وقال: يا لبيب، ما حدّثني به والدي أغرب بكثير من هذه القصة التي قصصتها علينا الآن.

التفت الجميع إلى أبي القاسم مشجعّين إياه بأن يدلي بدلوه، إلا لبيب الذي ارتاب من قصّته، لكنه أخفى ارتيابه، هزّ كتفيه دون أن يحول نظره عن أبي القاسم ومسح العرق عن عنقه بمنديله.

قال أبو القاسم: اسمعوني والكلام للجميع. كما تعلمون يا اخوتي أن أبي كان حدّادًا…

سأله أحد الحضور: جدك كان حدادًا؟

  • نعم ما زال يمتهن الحِدادة، ويرثُها أبًا عن جِد؛ رغم الصعوبات الكبيرة التي يلاقيها الحدّادون، وتعرفون كم صعوبة مهنة الحدادة وأن تكون حدّادًا؛ وفي إحدى المرات بدأ والدي بصنع مقلاة من الحديد في بداية الأسبوع واستغرق العمل عليها أكثر من عشرة أيام عن طريق أدوات الطرق واللي والقطع.

توقف أبو القاسم عن الحديث متأملًا بعينيه الفاحصتين ردة فعل الحضور، فما كان من أحدهم إلا وسأله:

  • ولمَ استغرقه كل هذا الوقت لصنع مقلاة بائسة؟

نظر إليهم أبو القاسم بملامح هائجة:

  • لن تصدقوا كم كانت كبيرة هذه المقلاة، فقد كان قطرها أكثر من مائة متر، وتحمّل والدي الكثير من الصعوبات والمتاعب والإرهاق الشديد نتيجة بذله جهدًا بدنيًّا عاليًا لصنع المقلاة، وقضاء ساعات طويلة في العمل، وأصيب بأمراض في الجهاز التنفسي والحساسية وتسلّخات في الجلد، ونتيجة التعرّض لدرجة الحرارة كانت هناك أضرار على عيونه؛ وتسببت درجة الحرارة العالية، بتدمير شبكيّة وقرنيّة العين وأصيبت عينه بالجفاف، فكانت عيون والدي الحداد مُحمرّة للغاية، ويصعب عليه التحديق والنظر لأي شيء، لأنّ عيونه مُتعَبَة. وخلال عمله في تصنيع المقلاة أصيب باضطرابات نفسية وعصبية؛ فمهنة الحِدادة مُرهِقة للغاية، وأي خطأ أثناء العمل، يعني ضياع مجهود ساعاتٍ طويلة، وإعادة القيام بالخطوات المُرهقة مرةً أُخرى.

فهتف الجميع وهللوا: سبحان الله…

إلّا لبيب لم يتمالك نفسه وسأله:

  • من منّا يحتاج إلى مقلاة بهذا الكبر؟

فأجاب أبو القاسم بجدية يخفي وراءها سخرية كبيرة:

  • كانت هذه المقلاة لوالدك، حتّى يطبخ بها قرعته الكبيرة.

ضحك الجميع، إلا لبيب… ثمّ انسحبوا جميعًا بانحناءة احترام.

عن Khalid Dêrik

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.