دروب حالكة/ نوميديا جرّوفي

عروس الشرق .. بغداد/بقلم: نوميديا جرّوفي

دروب حالكة/ نوميديا جرّوفي

دروب حالكة

 

في يوم مشرق خرجت العائلة المكونة من الأب و الأم و الطفلة الرضيعة ذات الثلاث أشهر في نزهة بالسيارة خارج المدينة، كان الوالدان سعيدان بتلك الطفلة و أمضوا يوما جميلا،و أثناء العودة اصدمت بهم شاحنة فقتلتهم إلا الطفلة التي شاءت الأقدار لها أن تعيش يتيمة من دون حنانهما.
تنازعت عليها الخالتان لتربيتها،لتأخذها جدتها لأمها و تربيها و أرضعتها مع أصغر ابن خالة لها،و لا أحد علم أنها كانت ترضعهما معا إلا الخالة الوسطى.
كبرت و كانت نجيبة في دراستها و مُدللة جدتها و البارة بها.
مضت الأعوام و هرمت الجدّة و صارت لا تتذكر الكثير.
قرر ابن الخالة الزواج و اختار ابنة خالته تلك و فرح الجميع و تزوجها و عاش أجمل أيام حياتهما من مودة و حبّ، لم يُعكّر حياتهما سوى أنهما لم يتمكّنا من إنجاب أطفال طوال خمسة و ثلاثين عاما.
ماتت الجدة و لم يخبرها أحد بوفاتها إلا بعد سنين لأنها كانت تعيش بعيدة عن الجميع.
ذات مساء،اتصلت بها الخالة الوسطى تؤنّبها:
أنت ناكرة الجميل، كيف لم تحضري عزاء جدتك التي ربتك و سهرت عليك و درستك و جعلتك امرأة و زوجتك؟
فأجابت:
لم يتصل بي أحد و لم يخبرني و لا واحد في العائلة،و انهمرت بالبكاء.
فقالت لها:
تبقين متعجرفة أيتها الماكرة للجميل، سأخبرك أمرا لا يعلمه سواي و جدتك.. ذلك الذي تزوجتيه،ليس ابن خالتك،إنه أخوك من الرضاعة، لقد كانت ترضعكما معا.. و أغلقت الخط.
جُنّ جنونها و أخذت المسكينة تلطم و تصرخ .. أربعون عاما و أنا متزوجة من أخي!!!.. يا الله.. يا الله.. لماذا فعلوا بي هذا؟!
يا رب .. اين اذهب؟.. يا رب أي ذنب اذنبناه معا؟..
وظبت اغراضها مقررة الهرب من البيت و إذا به يعود و يتفاجأ و ينصدم من هول الفاجعة و قال:
لكن أين ستذهبين؟ لا أهل لديك؟ أنا كل أهلك!
حسنا سنتطلق ،لكن لا تغادري البيت،ابقي هنا،سأعطيك غرفة، لا مكان لديك لتذهبي إليه.
أصرت على المغادرة قائلة:
ارض الله واسعة، افضل المبيت في الشارع فوق رصيف على أن أرى جريمتنا معا.. أنت أخي ..هل تفهم هذا؟
اختفت لعدة أعوام و لا احد يعرف مكانها ..رغم أنه بحث عنها كثيرا خوفا عليها من غدر الزمان و هي لا تعرف أحدا و لا تملك مساندا.
بعد عشر سنوات ، طرقت بابه متوسلة:
أرجوك امنحني غرفة في بيتك ،اصبحت عجوزة و أنا أطوف بيوت الناس كخادمة لهم،انا مريضة و لا طاقة لي بالعمل،انا جد منهارة و كل عضو من جسدي يؤلمني، امنحني مكانا لأنام فيه،فأنا جدّ متعبة.. أرجوك،أتوسل إليك.. كانت تتكلم و دموعها منهمرة.
ظهرت زوجته التي كانت تسمع حديثها و قالت:
لا مكان لك هنا،و لا تُفكري بالعودة لهذا البيت أبدا، أغربي عن وجهي.. و تذكري إنه زوجي و هذا بيتي.. اذهبي.. غادري.. هيا..
صُدمت و هي تُطرد بهذه الوحشية ،و التفتت إليه علّه يتكلم،لكنه بقي صامتا و دموعه تنهمر و لم ينبس بكلمة.
أمسكت عكازها و هي تبكي و غادرت لوحدها بعد أيام عثرت عليها الشرطة ميتة و متجمدة من البرد فوق رصيف.. ماتت المسكينة جوعا و بردا.

 

بقلم: نوميديا جرّوفي

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »