أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / صعلوك عاشق / بقلم: حسين سدخان

صعلوك عاشق / بقلم: حسين سدخان

صعلوك عاشق / بقلم: حسين سدخان

………..

كانت الريح محملة بالامطار السوداء التي تبدو و كأنها شويت على النار و رائحة الشؤم تملئ الشارع الطويل الذي أندفع به محسن وحيداً ثملا، أندفع حاسر الرأس في ذلك الشارع الكئيب و راسه يميل هنا و هناك كما لو انه تلقصى صفعة .. كان يرتدي قبعة سوداء مرقعة و ثياب متهرأة لا يمكنها أن تقاوم البرد القارص الذي يلسع العظام و يجمد المفاصل، متجها الى منزل صديقه الذي كان يشارف على الإغلاق بعدما أحيت به ليلة لم يكن يعرف غايتها، كان جثة ثقيلة و متثاقلة لم يكن قادرا على المشي حتى آلته الموسيقية (الناي) كانت تتخبط على جذعيه، و لذلك بدأ يخاطب الهواء المجنون لكي يحرض قدميه من أجل الوصول.
وصل أخيرا لكنه صدم بصدفة خروج ذلك الغليظ الملتحي و معه ثلاث رجال مرتدين عبائات و عمائم سوداء، و ظهر خلفهم زميله أحمد بنفس الزي لكنه جميل الملامح، ذو لحية بيضاء مسترسلة الى الاسفل … توقف عن السير و بقي ينظر اليهم وفي يده كأس الخمر، وقال :
-أريد المكوث هنا، فأنا متعب !
سخروا من سطحية تفكيره مشبهينها بمشاعر الساذج، و قال أحدهم :
-إرحل من هنا يا فاسق
نظر محسن اليه من تحت حاجبين كثّين و قال :
-أتعلم إني أرغب في التغوط عليك !! أحس بأن معدتي ستنفجر،
-أقسم إني لو لم أكن امام بيت الله ﻷبرحتك ضربا يا كافر !

تكلم أحمد وكان يحب محسن حباً شديدا، قائلا :
– كفاكم شجارا، محسن اتمنى أن تقضي هذه الليلة في منزلي، و هناك سأجعلك تستحم و تغير ملابسك ..
كان محسن لايجرؤ على الكلام مع أحمد لشدة إحساسه بطهارة أحمد، و حينما أنهى أحمد كلامه بدأ و كان عصا غرست في مؤخرات البقية، و لذلك وقف احدهم على أطراف اصابعه قائلا :
– حقا تريد ان تأخذ هذا الكافر معك؟!، في الصباح يجمع الناس من حوله بالعزف و يلهيهم عن عبادة الله، و ما يجمعه من مال يشتري به خمراً في الليل، الح أقول: إن الرجم قليل بحق هذا الرجل، عليه اللعنة !!

دنى محسن ليسأل أحمد و لايزال كأس الخمر في يده، بصوت يذيب الصخر :
-يا احمد أشك بهؤلاء لا يحبون صديقي ! …
إبتسم احمد و أراد ان يتكلم لكن محسن سارع في الكلام صارخا بوجوههم، كاسرا جعة الخمر : خذوا ربكم المجرم، خذوا ربكم المفخخ، إتركوا لي صديقي أنا أعلم بانه يستاء قليلا حينما أعاقر الخمر، لكني احبه كثيرا و عندما أراه يستاء احاول تقبيله على جبينه و اخيرا أراه يبتسم لي ! … أتفهمون أنه يبتسم لي

ثم رفع رأسه قاذقا بصقة مدوية غطت وجوههم و هرب راكضا بأقصى ما يستطيع إلى أن تمزق طرف حذاءه المهتري فدنى إليه بوجه منكسر و التقطها و قذفها بقوة نحوهم و لسوء الحظ لم تصل ..
كان يشهق و يبكي بطريقة محزنة و مزرية كإسفنجة تعصرها، بدت الدموع تسيل من عينه و انفه و فمه، سار وحيدا مرة أخرى مع الليل هذا الضيف البائس، كفاسق مسكين، كنهد معذب لعاهرة محترفة، مقاربا للنهر الذي كان يشق مدينته و يتلوى كأفعى بين ضواحيها، سار مخمورا بالعشق الالهي متأملا ذلك الوجه الحنون الذي يبتسم اليه مرارا، و لكن قطع ذلك التأمل صوت يمتزج بروح الغنج و كأنه سوط فرم مخيلة محسن، من حسناء ملتهبة :
– تذكر يا محسن منزلي مفتوح لك دوما !
صوب أسهم نظراته الشبقة الى نهديها المتدليان، و قال:
– لكن ليس لدي مال
إبتسمت بغنج ﻷنها تدرك كم هي فاتنة، و قالت :
– لكني رأيت الناس في الصباح تعطيك المال مقابل إبحارك نحو ديار ممزقة بنأيك المتهرِئ
– نعم كانت لدي لكني أعطيتها لفتاة كانت تفترش عفتها كمزاد مقابل حفنة نقود لمتبضعين حاولوا أن يشموا زهرتها، أما الاغنى منهم فحاول تفجير ميسم تلك الزهرة
– ولم؟
– لانها محتاجة لذلك المال لشراء دواء لوالدتها …
نعم لقد اعطيتها جميع نقودي و نظر صوب الشاطئ و اكمل :
و سأعطيها ما سأملك كل يوم ! .. و لن أشتري حذاء من جديد إلا و جعلت الحياة تدب في ذلك الكائن الجميل مرة أخرى، و ربما سأعطيها مالي الذي أدخره للخمر، أو أهجر الخمر !
– كفاك ياثرثار، هيا أدخل لا أريد مالك

بدأ محسن في تلك الليلة موسيقار عظيم يحسن العمل على كمان الاجساد المتعطشة … و في نهايتها إنتابته حالة من جلد الذات فأغمض عينيه و إبتسم و كأنه يرى صديقه معه و لاحاجة له أن يرفع راسه نحو النافذة التي كانت مفتوحة للسماء في تلك الغرفة و قال :
إسمح لي يا ريحانتي هذه الليلة فقط ! .. و أعدك إني غدا سأدخل الى منزلك و انام في حجرك و انت تمسح بيدك فوق شعري، أعدك ..

في الصباح تحول محسن الى جثة مخشبة !!
لهذا كانت الشمس تتهيأ لتقذف نفسها خلف تلك البلدة معلنة انتحارها، و هاجرت العصافير بأجمعها الا عصفور كان يشير لحبيبته أمام النافذة التي خمد فيها محسن و قال:
يا ملاكي هنا مات عاشق كان يروينا بلحنه صباحا، و قطع جميع فزاعات الحقول لكي ننعم بالحب لا بالخوف
ثم طوقها بجناحيه ومضى أخرج محسن من غرفة عتيقة وسط أبنية متهدمة و اخرى مبنية من طين، و انتصبت نساء عاريات على عتبات تلك الابنية بأيديهن مرايا يعملن على أغواء حتى الشياطين، حينها تواجدت ثلة قليلة لحمله وحدهم بعدما رفضت مجاميع من الناس الخروج بجنازته و اعترضوهم حينما أرادو أن يدخلوا جثمانه لمنزل صديقه، بينما كان رفيقه أحمد في مقدمة تلك الجنازة و بدأ حزنه يتصاعد كأمواج البحر في نفسه و ينحسر عند فوهة فمه مخفيا دموعه ﻹستلامه رسالة من نساء تلك البلدة وجدوها في جيوب محسن الفارغة …

و لكن هنالك فتاة صغيرة كانت تنظر لهذه الحادثة من وراء ثقب حائط ممزق بوجه ممتعض حزين، اخذت تذرف الدموع بصمت كئيب و عاد مرة اخرى الجوع ليفترسها بأنيابه الحادة، لكنها هربت لتسرح شعرها، لتستبدل ثوبها بآخر اكثر عريا، لتطلي شفتيها، لتدلق قليلا من العطر على رقبتها … و اخيرا جاءها الظلام و ابتلعها.

عن Joody atasii

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

(حينَ عشِقْتُ روحَكَ… / بقلم: سلوى الغانم

كان لي مع عينيك رحلةً طويلة حكاية خيال.. ومُزُنِ حُبٍّ.. لا أرتوي ...

عاشقتي… /بقلم: سلمان إبراهيم الخليل

مدي ذراعيك وعانقي احلامي يشدني الحنين في غربتي يغوص في شغف أيامي ...

يثقلني الهدوء…/ بقلم: فوزية اوزدمير

تقتحمني حمى الليل برعونتها السردية غير المتأججة ، بعينين لامعتين حانقتين ، ...

عيناكَ… / بقلم: راميار سلمان

عَيْنَاكَ أمطار صَيْفِيَّة تراتيل عشق صوفية وَ دهشة قبلة هَارِبةٌ مِن لهفة ...

قبيل انسدال الستار/ بقلم: أنور يسر

لأحكي من السرد كل الرواية قبيل انسدال الستار ضعوا في جيوب (الأنا) ...

سأمقت كل اجزائي/ بقلم:سهام الباري

  سأمقتُ كلّ أجزائي وأدفنُ ذلك الجوهر وأنقشُ ريشتي السودا لتطمس عيده ...

يا حبيبتي../ بقلم : محمود صالح

أثِقُ بالقصيدةِ عندما تُلقي برأسِها المُجْهَدِ على صدرِك لدَيها من الوفاءِ .. ...

أجنحة اليقين / بقلم: رشا فاروق

على ثوب الليل حفرت آهتي كانت الريح تحمل وحدتي قصيدة تتلوها العواصف ...

اشتعال الروح/ بقلم: مها سليمان

  حين داهمنا الصباح كانت المفاجأة برمادية السماء وزلزلة الأرض حتى استقرّت ...

عـــودة… / بقلم : عليم حسن

عاد الى الركن الخاص ظن مضي سويعات لا اكثر مذ ترك المحراب ...

أتحبني… / بقلم: د . ريم النقري

أغلقتُ نوافذ المسافات وطبعتُ قبلة على كتف فراشة وعلى جناحيها أغاني وقصائد ...

طبّبوها لعلها تستريحُ… / بقلم: د . ريم سليمان الخش

طبّبوها لعلها تستريحُ طفحَ الكيد والمُسالُ قبيحُ لأديمٍ كمرجلٍ يتلظى ليس كالماء ...

gamdom
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
deneme bonusu veren siteler
gamdom
gamdom
gamdom giriş
Gamdom
en iyi casino
en iyi canlı bahis
türkçe bahis siteleri