أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / مقالات / البعد الغائب لحل الأزمة الليبية/ محمد أبو الفضل

البعد الغائب لحل الأزمة الليبية/ محمد أبو الفضل

البعد الغائب لحل الأزمة الليبية

 

 

الحوارات والمفاوضات والتحركات التي تشهدها الأزمة الليبية، لم تتمخض حتى الآن عن خطوات ملموسة لحلحلتها سياسيا، لأن غالبية الأطراف المنخرطة في الأزمة تبحث عن مصالحها، وتصر على التعامل معها من منطلق التهدئة وعدم التصعيد فقط، ويبدو أن ميل دوائر كثيرة لتأييد صيغة عدم وجود غالب ومغلوب، أصبحت مريحة لها.

اللف والدوران والإيحاء أن هناك عملية سياسية جارية، تحول إلى هدف في حد ذاته، ومبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة مصمم على عدم استكمال المسيرة من حيث انتهى سلفه مارتن كوبلر، الذي استغرق وقتا طويلا ليضع يده على المفاتيح الرئيسية للأزمة، ولم ينتبه لها سلامة جيدا، وأدار حوارا مع أطراف ليبية عديدة في تونس لتعديل اتفاق الصخيرات، دون أن يتمكن من الوصول لنتيجة إيجابية، لأن من شاركوا انصب همهم على اثبات الحضور وليس التوصل إلى حلول تتفق مع طبيعة التشابكات التي دخلتها الأزمة.

مشكلة المبعوث الأممي أنه يتعامل مع الأزمة باعتباره لبناني عربي وقادر على فهم المكونات والأطياف أكثر من أي جهة أخرى، ويصمم على معرفة كل كبيرة وصغيرة بنفسه، ويفتح مجالا للنقاش مع أطراف ليس لها وجود طاغ على الأرض، لكن لها امتدادات داخلية وخارجية معطلة ومعلومة، ويصمم على تجاهل هذه المحددات ويبتعد عن الضغط على الخيوط التي تحرك هؤلاء.

الاجماع الدولي الذي حظي به اتفاق الصخيرات أصبح على المحك، وعملية تمديده لمدة عام لادخال بعض التعديلات (ينتهي في 17 ديسمبر المقبل) لم تسفر عن التوصل لصيغة تلبي رغبة الأطراف الليبية الفاعلة، بما يسمح باضفاء صبغة قانونية جديدة، لأن لقاءات تونس تحولت إلى ما يشبه “حوار طرشان”.

ولا توجد حوافز أو جهود ضاغطة تجبر الجهات المشاركة على الالتفاف حول تعديل الاتفاق، ولا حتى رؤية واضحة من المبعوث الأممي تقنعهم بجدوى التفاهم حول طريقة توقف مشكلة صلاحية الصخيرات، لأن الفراغ الناجم عن عدم تطويره يمكن أن يفضي إلى زيادة نسب الانسداد السياسي والأمني والقانوني.

الدكتور غسان سلامة لديه خبرة تؤهله للقيام بدور مؤثر في حل الأزمة، شريطة الاستفادة من الدروس والاتجاه مباشرة نحو الجهات المحلية والإقليمية والدولية التي تملك شفرات للتسوية، لأن فتح قنوات اتصال مع كل صاحب ميليشيا أو انتماء قبلي صغير سيدخله دوامة طويلة من الحوارات.

الحاصل أن هناك جهات تريد اثبات وجودها في المعادلة السياسية، وأخرى تسعى للحصول على جزء من الكعكة في مرحلة لاحقة، وثالثة وكيلة عن قوى تقدم التأييد والدعم والتمويل اللازم لخلط الأوراق كلما اقتربت الأزمة من الحل.

المفترض أن يتجه المبعوث الأممي إلى الوكلاء مباشرة وليس من ينوبون عنهم، لأنهم لن يتخذوا موقفا أو يؤيدوا قرارا ما لم تمنحهم الجهة أو الجهات التي توفر لهم الغطاء والحماية الموافقة صراحة.

بالطبع ثمة دوائر ليبية فاعلة وتملك قوة مادية ومعنوية ومن السهولة التحاور معهم، بعد أن وصلوا إلى قناعة تشي بأن استمرار الأزمة سوف تنعكس تداعياتها عليهم، ولدى معظمهم رغبة للانخراط في تسوية تتوافر لها شفافية كافية، تحرص في النهاية على التوصل لصيغة تضمن وحدة الدولة الليبية، وتنهي عصر الميليشيات الذي انتعش في غياب التفاهمات الداخلية وتعدد الولاءات الخارجية.

من المهم أن يبدأ سلامة بالقوى التي تقف وراء استمرار هذا العصر، بالتواطؤ والتقاعس والتراخي، أو وضع العصي بين عجلات العربة للحفاظ على جمودها، وتوجد دول غربية تتدخل لتخريب التسوية طالما لا توفر لها الحد الأدنى من تحقيق مصالحها، ودول تتعامل مع الأزمة كأداة لتفريخ الهجرة غير الشرعية وتسعى لفرملتها في هذا الاتجاه، ودول ترى أن محاصرة الإرهاب داخل ليبيا وعدم امتداده إليها هدف مركزي وتتغافل عن أي افرازات على دول الجوار.

غياب الرؤية الشاملة للوصول إلى تسوية عادلة وعلاج أزمة الهجرة ومكافحة الإرهاب وفقا لآلية موحدة، مدخل مناسب للتخلص من عدد كبير من الشرور التي تجتاح ليبيا، وعلى المبعوث الأممي البدء من هذه الزواية وعدم الرضوخ لتقديرات قوى تعتقد أن الحل يأتي من الداخل فقط.

تجربة الأزمة السورية أثبتت أن التدخلات الكثيفة كانت سببا لتعقيد الأزمة، ولم يتم وضعها على طريق الحل إلا بعد أن اقتنعت قوى كثيرة أن عبثها لعب دورا مهما في وصولها إلى المستوى الدرامي الذي وصلت إليه، وبدأت المعارضة في تليين مواقفها عقب رفع الغطاء عنها، وتمكنت المؤسسة العسكرية من فرض إرادتها على معظم الأراضي السورية.

نعم تم ذلك بمساندة روسية، لكن يبقى أن القوى الإقليمية والدولية أضحت مقتنعة بأهمية انتهاء مهزلة تنوع وتشتت الولاءات، والتي أفرزت تيارات متعددة، بعضها يميل للعنف بقسوة، وتحول هؤلاء إلى قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في وجه قوى مختلفة.

الحال في ليبيا ليس بعيدا عن سوريا من حيث الابتزاز والاستقطاب والتفسير والتوصيف والعلاج، ومن الضروري تمكين الجيش الوطني من فرض سيطرته على الأجزاء الباقية من ليبيا، والضغط على الميلشيات والقوى الخارجة عن الشرعية للقبول بفرض سيطرته على جميع الأراضي، والانتهاء من تعديل اتفاق الصخيرات، بما يمنح المشير خليفة حفتر ضمانات تمكنه من الحفاظ على وحدة الجيش والدولة، واختيار حكومة تمثل الأطياف الليبية الأساسية، وفقا لمعادلة تأخذ في حسابها الأوزان النسبية للقوى السياسية والعسكرية والقبلية والمناطقية.

البعد الغائب في تعامل المبعوث الأممي مع الأزمة الليبية يكمن في أهمية التعجيل بالتوصل إلى صيغة شاملة للتفاهم، من الداخل والخارج معا، لأن التركيز على جناح واحد يضاعف من صعوبة التسوية، ويجعلها عرضة لمزيد من التجاذبات وتهيئة الأجواء لانتعاش سوق الإرهاب، لذلك يمثل سد الثغرات نقطة البداية، إذا أراد سلامة حفر اسمه ويصبح العربي الذي وضع الأزمة الليبية على طريق التسوية الصحيحة.

 

 

بقلم: محمد أبو الفضل

.middle-east-online

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.