من  المانيا

 

#اثبتت الرواية الواقعية خلال مسيرتها الطويلة التي تزيد عن قرنين من تاريخها انها اكثر الأنواع الروائية إنفتاحاً على التجدد والتطور بنيةً وتقنياتً ومنظوراً سرديا ، الأمر الذي ساعدها على الإستمرارية والتجديد في مختلف العصور ، فقد تنقلت من الطبيعية الى الواقعية الإجتماعية والواقعية الإشتراكية ،

 

#بداية اشكر صديقي الشاعر الكوباني الأصيل إسماعيل أحمد الذي حمل الي الرواية وكان له الفضل لتبصر النور

 

#محمد عزالدين تمو كاتب كردي سوري يطل علينا بروايته الاولى ، ( يوميات طالب في قبضة داعش ) القطرة الاولى من غيث قلمه ، فتخرج القريحة لتعلن تمردها إجلالاَ ، لتكسر السكون وتعطي مدينة الرواية الحديثة جزءاَ من حقها فتنبئ ببداية مسيرة روائية واعدة ، تشق طريقها لتحتل مكاناَ ومكانة على الساحة الادبية .

 

#قرأت الرواية بشغف ونهم بسبب لغتها الإنسيابية السلسة واسلوبها المشوق ، حيث تجذب القارئ لمعرفة المزيد من احداثها

وسيرة بطلها ومصيره ،

 

#العنوان ( يوميات طالب في قبضة داعش ) هو العتبة الأولى والمدخل الرئيس للعبور نحو المتن ، لذلك نحن من البداية نرى ان الكاتب يسحبنا مباشرة إلى عالم الواقع ، ويشد إنتباهنا الى الهندسة الداخلية للنصوص وان نبحث عن ماوراء الظاهر من الألفاظ

 

#اول مايمكن ان نستهل به هذه القراءة ( كلمة متألم ) لوالد الكاتب حيث جاء فيها :

 

( حلمت يوماً بأنني سأنجو من الموتِ ، من الغرقِ ومن الأحتراقِ ،

لكن لم اكن أعلم بأنك ستقع بين يدي كل هؤلاء ، الذين اوجدوا الجحيم الحقيقي للإنسانِ على الأرضِ ، وعلى مرآى ومسمع العالم

يفترض بأنه إنساني وأخلاقي ومؤمن بقضايا الشعوب وحقوق الإنسان العادلة ،

بأسركَ عزيزي محمد ، اصبحتَ مثل فراشةٍ أحلق من إحتراق والى إحتراق ، ومن غرقٍ الى آخر ، ومن موتٍ الى موتٍ دون كلل ، الى أن تحررت من قبضةِ الألم وجحيم من هم بلاء الحياة ، وعدت إلي سالماً بنور الله ، فسلمتَ من كل غصةٍ ومن كل عصى ، وعادت الحياة الينا والحب الكبير ، فكنتَ وانا وهذه الحقيقة المرة التي عشناها معاً ، انت اسير كردي لدى تنظيم داعش ، ونحن في جحيم الخوف والقلق والإنتظار ، لتبقى هذه القصة / السيرة للعبرة ، الى يوم النصر وحرية جميع الشعوب المضطهدة .

#رواية ( يوميات طالب في قبضة داعش ) هو الإصدار الاول للكاتب الشاب محمد عزالدين تمو الصادر عن دار النخبة للنشر والتوزيع في مصر ، لوحة الغلاف للفنان التشكيلي : ديلاور عمر ، يحتوي بين دفتيه ثمانيةَ نصوصٍ على إمتداد 237 صفحة من القطع المتوسط

 

#وأستطيع القول أنّها رواية ساحرة حقًّا ، نقرأ من خلالها طرح جديد وبمنظور مختلف جدًّا ليوميات طالب وقع اسيرا في قبضة داعش مع 152 من زملائه الطلاب تتجاوز اعمارهم بين 14 سنة و 16 سنة ،

يتحدث الكاتب عن الفترة الزمنية الممتدة من تاريخ بدء رحلتهم في 13 / 5 / 2014 من كوباني الى حلب لتقديم امتحانات الشهادة الإعدادية، مروراً بتاريخ اعتقالهم من قبل داعش في 29 / 5 / 2014 , الى اطلاق سراحهم في 28 / 6 / 2014 ,

 

#يتحدث الكاتب في بداية الرواية عن وضع الطلاب ومعاناتهم ، والمخاطر التي تعرضوا لها اثناء تقديم الإمتحانات في حلب تحت القصف والحرب ، حيث يقول :

 

( وزعوا اوراق الأجوبة ، ملأت المعلومات المطلوبة ، واخذت انتظر ورقة الأسئلة ، وانا اراقب الطلاب في القاعة ، فأرى الخوف والقلق في وجوههم ، وهو مازاد من قلقي وخوفي ، خاصة وانه اليوم الأول للامتحان ، وزعوا الأسئلة ، حاولت تجاهل اصوات الإنفجارات ، في الدقائق العشر الاولى لم استطع كتابة اي شيء ، بسبب ازدياد قوة اصوات القذائف ، لدرجة اننا كنا نتوقف على ارجلنا من قوة الصوت ، فساد الخوف والرعب في القاعة ، خاصة ذاك الطالب الذي كان يجلس بقربي وهو يرتجف من الداخل والخارج ، فجاء اليه احد المراقبين يهدئه ويطمئه ، وهذا ماساعدني في التركيز على الإمتحان ، والبدء بالإجابة )

 

#هي حكاية تحوي في طياتها الكثير من القصص المثيرة والمشوقة وتدور الكثير من الأحداث في مدرسة تابعة لداعش في مدينة منبج ، الأحداث تنتقل بين مدينة كوباني ومدينة حلب مروراً الى مدينة منبج ، يقول :

 

( قام عناصر داعش بقيادة الحافلات ، دون ان ندري الى اين سرنا مسافة حتى دخلنا مدينة منبج ، فوصلنا الى جامع قديم يقع في وسط احد احياء المدينة ، حيث انزلونا من الحافالات وادخلونا فيه ، طلبوا منا الوضوء والجلوس )

 

#ثم يتابع الكاتب فيقول :

 

( بعد تناولنا للفطور ، اخبرونا بأن نجهز اغراضنا والخروج من الجامع ، صعدنا الحافلات مرة ثانية ، وبدأنا نتساءل : (( الى اين سيأخذوننا )) ، فصرخوا في وجوهنا بأن نتوقف عن الكلام باللغة الكردية ، وامطرونا بكلمات قاسية بذيئة ، مليئة بالإهانات ، إلا عنصر واحد من بينهم ، وكان يدعى بأبي هريرة ، لم يكن مسلحا كالبقية ، وكان يتحدث معنا بهدوء ، بألا نحدث اي فوضى ، وان نبقى هادئين ، هكذا حتى وصلنا الى شارع فيه عدة مدارس ، ففتحوا الأبواب ، ودخلت الحافلات ، وتوقفت في باحة المدرسة ، نزلنا منها طلبوا منا الاصطفاف كمجموعات ، كل مجموعة اثنا عشر شخصاً )

 

#يوميات طالب في قبضة داعش رواية مليئة بالأحداث المشوقة كتبت بلغة متينة وسرد جميل يكتنفه عنصر المتعة والخيال الخصب ،التشويق وسلاسة الإنتقال من قصة لقصة بشغف تجعلك تعيش أجواء ألف ليلة وليلة . يقول :

 

( في تلك الاثناء،ونحن على طريق العودة بقي الصيدلاني صامتاً ، اكتفى بتأمل المناظر على جانبي الطريق ، حتى الداعشي لم يقل له شيئاً ، ولم يوجه له سؤالا ولا كلمة ، فكنت على يقين بأن هنالك امر ما قد حصل بينهما في السابق ، وقد عرفه الصيدلاني بعد خلع لقناعه ، لذلك لم يقل شيء )

 

#هي رواية سهلة الفهم بالنسبة للقارئ ، فبنيتها الأسلوبية والسردية تجعلنا نصنفها من اهم الروايات التي يجب قرائتها ، كونها تعتبر رواية واقعية ، تعالج واقع معين ، تحمل في طياتها مجموعة من القيم الإنسانية، من قبيل الحرية والهوية الوطنية ، والكرامة . حيث يقول :

 

( وهكذا كانت الايام البطيئة تمر علينا ، ونحن في السجن ، وسط اجواء مأساوية مشحونة بالروتين والبرنامج اليومي والمصير المجهول ، من الصلاة وتناول الطعام والدروس ، جميعها في اوقات محددة ، ونحن اسرى لدى داعش ، رغم وجودنا نحن الطلاب معاً ، إلا ان حريتنا مقيدة داخل اسوار مدرسة حولوها الى سجن ، وببرنامج يومي لا يتغير ، وان حاولنا فعل شيء،مخالف لخططهم وبرامجهم كان مصيرنا التعرض لعقاب شديد ابسطه واحلاه الجلد بالسياط بطريقة وحشية )

 

وأنا اقرأ الرواية شعرت أنني اتجول بموسوعة شاملة وغنيّة تحوي الكثير من المعلومات القيّمة والتي تدل على مدى الثقافة العالية التي يتمتّع بها الكاتب .

 

#محمد عزالدين تمو مواليد عام 2000 بلدة شيران التابعة لمدينة كوباني ( عين العرب ) السورية ، يقيم مع عائلته حاليا في المانيا ويدرس الهندسة الطبية في جامعة لوبيك الألمانية.