لمياء حديوي، أخصائية نفسية و فنانة تشكيلية مغربية من مدينة القنيطرة. دراستها الجامعية

كانت في مجال تخصصها (علم النفس) توزعت بين فرنسا و المغرب. لكن شغفها بالفن

التشكيلي وعشقها له لازمها منذ صباها كما تذكر دائما، فكان لا بد من صقل الموهبة بالعلم

والمعرفة، فتحصلت على باكالوريا حرة في الفنون التطبيقية بالموازاة مع دراستها الجامعية

في علم النفس. فكانت الانطلاقة بإنجاز عدد من اللوحات شاركت بها بمجموعة من

التظاهرات ذات صلة بالفن التشكيلي كالإقامات الفنية و الورشات و المعارض.

لكل فنان قصته مع هذا الفن الراقي البديع، حديثينا عما يعرف بالخربشات التشكيلية

الأولى.

كنت أحب الرسم و الأعمال اليدوية منذ طفولتي، و كنت محظوظة أن كانت لي أختا

تكبرني، لن أنسى أياديها البيضاء على ميولاتي التشكيلية. فما فتئت تثني على رسوماتي

على بساطتها وتشجعني وأنا في الروض ( 4 سنوات)، الشيء الذي حفزني كثيرا و جعل

الموهبة تكبر معي وتتطور لتصير ما صارت عليه اليوم. ممتنة لها أيما امتنان. إلى بلوغي

سن السادسة عشر من عمري، صادف ان انتقل أخي الأكبر بحكم عمله الى مدينة الصويرة

التاريخية التي يعود الحديث عنها إلى ما قبل الميلاد، وتعرف ب “موكادور” وتعني الحصن

الصغير حسب بعض الباحثين وهي مشتقة من الاسم الأمازيغي “امكدول” الذي حرفه

البرتغاليون إلى “موكادور” ومنهم من يربط الاسم بصاحبة السور، والصويرة أي السويرة

أو “تاسورت” أي الجدار المحيط بالمدينة، وتلقب أيضا بمدينة الرياح، الشيء جعلها مقصدا

لهواة ركوب الأمواج). في هذه السن المبكرة ذهبت لزيارته بهذه المدينة، “فيأتيك بالأخبار

من لم تزود”، اكتشفت أنها مدينة الفن بامتياز. كان انبهاري كبيرا بالفن و الفنانين التشكيليين

المتواجدين هناك من مختلف بلاد المعمور.

كانت بالنسبة إلي مدينة العجائب. كل يوم أتجول بين أزقتها الصغيرة بالمدينة العتيقة، فضلا

عن مآثرها التاريخية العريقة الضاربة في عمق التاريخ قبل الميلاد، إلا وأشعر وكأنها المرة

الأولى التي أزورها. كل مرة أزورها أكتشف فنا جديدا و فنانين جددا، الشيء الذي أسهم

كثيرا في بناء شخصيتي الفنية. تشبعت بمختلف مدارس الفن التشكيلي من خلال الحديث مع

الفنانين وتأمل أعمالهم الفنية و مواد و تقنيات اشتغالهم. من تمة كنت أقضي جل عطلاتي

المدرسية بمدينة الصويرة، أستطيع أن أقول أنها كانت الانطلاقة الحقيقية لمسيرتي الفنية، إذ

أتيحت لي الفرصة للمشاركة في تظاهرة فنية مهمة رفقة مجموعة من الفنانين الشباب و

بمبادرة و إشراف من فنانة إسبانية، في ورش تزيين منصة مهرجان الأندلسيات الذي يقام

سنويا بالمدينة. فكانت الانطلاقة بعدها للمشاركة في معارض كثيرة مع فنانين مرموقين

بالعديد من المدن المغربية كالصويرة و أكادير و الرباط والقنيطرة والدار البيضاء، و نظمت

معرضين فرديين في كل من مدينتي الرباط و القنيطرة.

أستاذة لمياء تنطلق في إنجاز لوحاتها ليس من فراغ بطبيعة الحال. إنما عن رؤية للذات

وللآخر وللكون. هل تحدثينا قليلا عن لوحاتك. أكيد يتداخل في تشكيل فسيفساتها ما هو

ذاتي بما هو موضوعي يتعلق أساسا بالنفس وما يعتريها من اضطرابات، موضوع

تخصصك.

أكيد الفن بصفة عامة هو تعبير عن الذات (طبعا لا نتحدث عن الفن تحت الطلب). فلوحات

أي فنان وأنا لست استثناء هي انعكاس لما يعتلج في نفسه أساسا، تفاعلا مع ما يتمخض في

مجتمعه. كتبت إحدى الشواعر بلغة موليير إحدى شذراتها جوابا على سؤال لماذا أكتب

الشعر؟ فقالت لأقرأ ذاتي. وأكيد الذات في علاقتها بما يحيط بها. فالإنسان اجتماعي بطبعه.

إنه ليس في كبسولة محكمة الإغلاق.

فكيان الفنان ونفسيته ومواقفه مما ذكرت في سؤالك كلها حاضرة في لوحاته. سئل مرة أحد

المفكرين والروائيين عن سر عدم كتابته لسيرته الذاتية فكان جوابه إنها منتشرة في كل

أعماله شعرا كانت أو نثرا أو رسما.

أرسم في بعض الأحيان بطريقة تصويرية واضحة، إلا أني أميل إلى الفن التجريدي و

الرمزية، و أستعمل تقنيات و مواد مختلفة في أعمالي الفنية. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن

هذا الميل إلى التجريد والرمزية لا يخل بجمالية اللوحة ولا بقدرتها على التعبير و لمس

أحاسيس المتلقي.

المفروض أن الفن عموما والتشكيل خصوصا هو موجه للجمهور بقصد الرقي بذوقه

وتهذيب سلوكه. فالفنان الحقيقي من يستطيع أن يخاطب بريشته كل فئات المجتمع دون

السقوط في الإسفاف بطبيعة الحال. فللفن دوره في نهضة الأمم.

ما يميز لوحاتي أيضا هو وجود بعض الخروم المتعمدة و التي أعيد ترميمها بواسطة خيوط

بالإضافة إلى تنوع في تشكيل سطح اللوحة. و هذا ربما يرمز إلى ما يصيبنا من شروخ في

نفسياتنا بسبب أحداث الحياة، و التي يجب علينا أن نحرص علي ترميمها و مساعدتها على

الدوام على الالتئام من أجل استكمال مسيرتنا الحياتية ولا نترك حبلها على غاربها فتتعقد

الأمور أكثر فأكثر.

على ذكر النفس وما يعتريها لا بد من الوقوف ولو قليلا للحديث عن تخصصك النفسي في

علاقته بالتشكيل، اطلعت على بعض مداخلاتك القيمة وحواراتك، من بينها ما يهم مثلا

اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى الأطفال، وأشرت إلى نقطة خطيرة تتعلق

بتعرض هؤلاء الأطفال إلى عقوبات سواء داخل المدارس أو من قبل أسرهم دون أن

يعرفوا سبب ذلك، فأكدت على ضرورة تأطير المدرسين والآباء لمعرفة كيفية التعامل مع

هؤلاء الأطفال ولو معرفة في حدودها الدنيا. هل من توضيح أكثر تعميما للفائدة؟

برأيي الحاجة إلى استشارة الأخصائيين في المجال النفسي  باتت ضرورة ملحة و ليست فقط

من كماليات الحياة كما يعتبرها البعض، خصوصا في هذا العصر الذي اصبحت فيه ظروف

الحياة صعبة و لها تأثير كبير على نفسية الشخص كسرعة و ثيرة الحياة، و التلوث بجميع

أنواعه؛ البيئي و السمعي و البصري بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية و  الفوارق

الاجتماعية و التطور التكنولوجي المتسارع الذي غير نمط حياتنا بالكامل. سبب كل هذا

وغيره في زيادة انتشار الاضطرابات النفسية في جميع بلدان العالم و خصوصا بعد جائحة

كورونا، بحيث أن منظمة الصحة العالمية  دقت ناقوس الخطر و أعلنت في إحصاءاتها أن ما

يزيد عن مليار شخص عبر العالم مصابين باضطرابات نفسية و أن في كل 40 ثانية ينتحر

شخص عبر العالم بسبب تلك الاضطرابات. و المغرب لا يمثل استثناء من دول العالم بحيث

أظهرت بعض الإحصائيات أن نصف المغاربة تقريبا يعانون من اضطرابات نفسية. و هذا

يعتبر رقما مهولا خاصة لما نستحضر الخصاص الكبير في الأطر و المؤسسات

المتخصصة في هذا المجال. وبالعودة إلى سؤالك فعدد من المصابين تعود إصاباتهم النفسية

إلى مرحلة الطفولة، والتي لم تعالج في وقتها على يد أخصائيين. بدل ذلك بسبب الجهل أحيانا

وبسبب قلة ذات اليد أحيانا يتم اللجوء إلى الأضرحة للتبرك بأتربتها أو إلى المشعوذين ممن

يسترزقون وهم يعلمون أن لا شيء لديهم يعالجون به أعطاب الأطفال النفسية وغير هذا

كثير للأسف لا يزال له حضور في كثير من المناطق. فكم من طفل يعاقب وهو لا يدري لم

يعاقب سواء في أسرته أو في مدرسته بسبب فرط الحركة وتشتت الانتباه. فأمرهم يسير لو

عرفنا طرق التعامل معهم بدل اللجوء إلى العنف الذي لن يزيدهم إلا عنادا. للأسف لا نزال

بعيدين عن إيلاء التخصصات النفسية ما لها من أهمية. فإلى أي حد تهتم مراكز تطوين

المدرسين مثلا بالتعمق في معرفة أعراض وحقيقة مثل هذه الظواهر وغيرها كالتوحد، ومن

تم التعرف على كيفية التعامل معها؟

إلى عهد قريب كنا نسمع عن أنواع من العلاجات بحسب الأدوات والمستلزمات، كالعلاج

بالأنظمة الغذائية أو ما يعرف بالحمية أو العلاج النفسي أو الطبيعي أو الجراحة، فماذا

عن العلاج بالفن، تابعت مرة حديثك عنه بنوع من التفصيل؟  

العلاج بالفن عرف منذ القدم بل و حتى في موروثنا الشعبي نجد أنواعا من العلاجات بالفن

تحت مسميات مختلفة كالحضرة مثلا، و التي تعتبر نوعا من العلاج بالموسيقى و الرقص

وفق طقوس معينة تضفي على الأفضية نوعا من الرهبة والقداسة. في العصر الحديث يعتبر

الفنان الإنجليزي أدريان هيل هو أول من أطلق مصطلح العلاج بالفن في الكتاب الذي ألفه

سنة 1946 بعد أن اكتشف المنافع الكبيرة للرسم والتلوين خلال رحلته العلاجية بعد إصابته

بمرض السل. و من تم تطور العلاج بالفن في كل من اوروبا و أمريكا حيث أسست الجمعية

الأمريكية للعلاج بالفن سنة 1969.

اليوم العلاج بالفن أصبح من العلاجات النفسية واسعة الانتشار، إنه اليوم مهنة أساسية

في عدة دول. فضلا عن كونه مادة أساسية تدرس بالجامعات بنيويورك وبريطانيا وشيكاغو

وكامبريدج والهند ودول أخرى عديدة. اثبتت فعاليته مجموعة من الدراسات خصوصا في

علاج بعض المشاكل النفسية كالقلق، ضعف تقدير الذات، و الاكتئاب وغيرها. و يعتبر الفن

التشكيلي من الفنون الأكثر تداولا في العلاج النفسي. فمن خلال الرسم و التلوين و التشكيل

يستطيع الشخص مثلا التخلص من الأحاسيس السلبية التي تضايقه و تعديل مزاجه كما

يستطيع تنمية قدرته على إيجاد حلول بطريقة إبداعية لمشاكل كانت تؤرقه.

كلمة ختامية أستاذة لمياء

في الختام يمكننا القول بأننا بالمغرب في حاجة ماسة للوعي بأهمية العلاج النفسي عامة و

العلاج بالفن خاصة، وضرورة توسيع نطاق استعمال هذا النوع من العلاج وخاصة في

صفوف الأطفال ممن يعانون من مجموعة من الإضطرابات النفسية، لما له من آثار

إيجابية على نفسياتهم، يجدون فيه ذواتهم، فضلا عما يمكن أن يتحصلونه من مهارات و

تنمية لقدراتهم. فعادة يكون الرسم هو العلاج النفسي الذي يفرغ فيه الطاقة السلبية ويحولها

إلى منجز فني. فكم منهم من كانت فترة علاجه بالفن طريقا ليصبح فنانا شهيرا.

في وضعنا حتى لا نكون مثاليين وحالمين أكثر, أملي أن تعطى لمادة التربية التشكيلية ما

تستحقه بالمدارس الابتدائية. فالقضية لا تتعلق فقط بإقرارها ضمن مواد التدريس وكفى.

إنها تحتاج لمنهجية تدريس هادفة، و إلى قاعات مخصصة لتدريسها. إنها تحتاج لأهلها

يتولون تدريسها. إنها ليست مادة تكميلية عادة ما تهضم حصتها. إنها منبع الجمال

والرقي بالذائقة الفنية، ومن تمة ضمان السمو الروحي لممارسه ومتذوقه، علاوة على زرع

قيمة الإبداع في نفوس الناشئة وفهم و تذوق الأعمال التشكيلية و استعمالها كوسيلة للتعبير و

تحرير المشاعر.

كل الشكر والامتنان أستاذ بوسلهام على هذا الحوار الماتع أتاح لي الفرصة للتعبير عن

اهتماماتي التشكيلية وتخصصي النفسي والعلاقة الوطيدة بين المجالين الهامين.