_طرقتُ بابَ منزلي عندَ غُروب الشمس ، لحظةَ تأهُّبِ السماءِ لاستقبال القمر ، و غُروب الشمسِ رُوَيداً رُوَيداً من أحضان السماء ، والغُيومُ بعدَ عِناقٍ طويلٍ دامَتْ لبضع ساعاتٍ ، حتى في غُروبها مُشرِقةً مُتألِّقةً في قمَّةِ إبداعها ، إذْ أنَّ لونها البرتقالي البرَّاقَ آسرٌ لكلِّ امرئٍ يرى هذا ، حتى أنَّ البعضَ يعشونَ هذا المنظرَ ، يقفُ فى أعلى منطقة بإمكانهم الوصولُ إليها لرؤيتها ترحَلُ ، و ليودِّعونَها على أمل لقاءٍ جديدٍ ، يحملُ في طياتهِ آلافَ الأمنيات و الأحلام ، حتى يأتيَ ذلكَ الشيءُ المُخيفُ البشعُ القاتلُ بحلولِ الليل ، عندَما تذهبُ إلى سريركَ حاملاً خيبتَكَ في سريرتكَ بينك وبينَ نفسكَ ؛ حتى تغلبَهُ أو يغلبَكَ ، ومن نافذة غرفتكَ و أثناءَ احتدام معركتكَ معَ ذاتكَ من صوت سيوف القرارات ، و رمي رماحِ الحظِّ بينكَ وبينَ الأنا ذاتِكَ تسترقُّ بصرَكَ وبصرَ عدوِّكَ في المعركة ، و إذْ بكُما تَخِرَّانِ صَريعَينِ من سِحر جمالها و رونقها الآخَّاذ ، فصمتُها البرَّاقُ و هيبتُها الكريمةُ كأميرةٍ عادلةٍ تربَّعَتْ على عرش مملكة مظلومةٍ ، ها هي تشعُّ .. تسرقُ نظري ، و تستحوِذُ على تفكيري ، وتجعلُني أنسى تخطيطي لأعمالي غداً ، فإنَّ الجمالَ في حرم الجمال و الإبداع جمالٌ يا سيدتي .

إنهُ القمرُ حضرَ بجلالهِ ، ومن شدة هيبتهِ صمتَ الجميعُ إجلالاً لهُ ، انحنتْ لهُ القاماتُ ، وخلدتْ إلى النوم ، الكلُّ يعتقدُ بأنه جميلٌ ، و لكنْ هل فكَّرَ أحدُكم يوماً : من أينَ يستمدُّ قوتهُ و إطلالتهُ ؟ هل تساءلتُم يوماً : ما بهِ ما صمتُهُ هذا الذي يبثُّ لناظريهِ الوقارَ ؟ هل تعرفونَ ما داخلَهُ ؟ هل يُضايقُهُ ؟ هل نستطيعُ الحصولَ عليهِ .. نحتويهِ .. نُعانقهُ .. نرتمي ساخِطين في أحضانهِ ؟

لحظةً … أهذا مُحرَّم أم لا ؟ لأنهُ جميلٌ ، ولكن يصعبُ الوصولُ إليهِ .

أسفي .. لقد فهمتُ لتوِّي مصدرَ جمالهِ ، لو لم يحاصرهُ كلُّ هذا الظلامُ ، لم يكنْ ليُشعَّ قوةً ، ليُثبتَ جبروتَ صمودهِ لنا أمامَ حظهِ العاثر الذي يجعلُهُ يُعانقُ سوادَ الليل .

لحظةً ، ما الذي آراهُ و يكادُ سواد الليل الحالكُ يطغى عليهِ ؟!

هل يُعقلُ ما أراه ؟

ما هذا ؟

لا ….. إنَّ شعاعَ تألقها يخفُتُ رُوَيداً رُوَيداً .

ماذا حصلَ ؟ تمكَّنَ منها الحظُّ ، و لكنها قاومَتْهُ بشتى الوسائل ، أقسمَتْ أن تنتقمَ منه ، لتعودَ و تُشرقَ ، لتصبحَ شمساً تنيرُ دربَ الجميع .

تريدُ أن ترى حظَّها يتبدَّلُ من الأسود الحالكِ إلى الأزرق الهادئ اللون الذي يبعثُ الطمأنينةَ في النفس .

أجلْ ، هل هذا تحالفٌ بينها وبينَ الشمس أم ماذا ؟

أهي مِنفصمةٌ شخصيةٌ ؟ تارةً تشرق و تارةً تشعُّ ..

هل جُنَّ جُنونها ؟

كلا .

بل إنها في قمة العقلانيةِ ، تريدُ فقط أن تثبتَ للجميع أنها جبَّارةٌ رغمَ كل شيءٍ ، جبروتُ إردتها أقوى من كلِّ شيءٍ ، هيبةُ تصميها لامعةٌ ، و في النهاية تريدُ أن تقولُ : إنه مهما طالَ سوادُ الليل ، فلا بدَّ أن يبزُعَ نورُ الشمس ، و الشمسُ فهمتْها ؛ لأنها عاشتِ الموقفَ ذاتَهُ سابقاً ، فهي تحترقُ من أجلنا ، ونحنُ نتغزَّلُ بالأليم المتألِّم القمر ، وهم لا يعرفونَ أنه و لو لم يحاصرها ذلكَ السوادُ ، لما كانتْ جميلةً ، فمصدرُ تألُّقها الألمُ .

وتستمرُّ الأمورُ على المِنوال ذاتهِ إلى أن تخلدَ ذاتي و أحلامي معاً إلى النوم ، وتستيقظَ على أملٍ جديدٍ و نهارٍ جديدٍ ، يحملُ في ثناياه المفاجأتِ الجديدةَ .

 

إيـلاف مُـصـطَـفـى الـشَّـيـخ

ألمانيا .. فرانكفورت .