لا أريد أن يتفلسف النقاد:

في الحرب يعود كل شيء إلى نقطة الصفر وإلى المربع الأول، الحياة والأدب والفلسفة. فالحرب تعيدنا إلى الفطرة الأولى لنواجه أنفسنا بالحقيقة التي علاها غبار الفلسفة الزائدة عن الحد، في الحرب يواجه المرء نفسه شجاعا لا يخاف من الموت، كما لا يخاف من ثقل الأسئلة المرة التي كان يظن أنه قد أحسن التعبير عنها.

اليوم هو الجمعة (3/11/2023) اليوم التاسع والعشرون للحرب على غزة: الجميع ينتظر خطاب المدعو “حسن نصر الله” وتحليلات يوم الخميس القائمة على “الفيلم الصامت للأمين العام” تغرق المشاهدين والمتابعين فيما سينجلي عنه الوحي النازل عليه، وإذ به ضغث على إبّالة، وكل ما عاشته الشاشات ليستمع إلى السورة العصماء الإلهية لسماحة السيد وإذ بها خبر وإعادة خبر لا تسمن ولا تعني من جوع ولهفة وترقب الأرواح التي انتظرت أن يغيثها صاحب العمامة السوداء، وإذ بها بالفعل عمامة سوداء لا أمل فيها ولا خير ولا تقوى.

شخصيا لا أومن بالسيد- ولا بغيره من “السادة النجبِ”، كافر بهم جميعا كفرا مؤبدا حتى ألقى الله وأنا على ذلك- وليس عندي نبيا ولا إلهيا ولا هو بشيء أبدا، إنه جندي يأتمر بأمر مموليه. لذلك كنت مسبقا أعرف أنه لن يأتي بشيء مطلقا، فلم أعول عليه، ولم أنتظر ما قاله في وقته بل بعد هدأة الليل وقد خلوت إلى نفسي.

هكذا، ببساطة شديدة، تشبه بساطة الجدات الواعيات: الموت فاغر فكيه العظيمين في غزة، تسعة وعشرين يوما وسماحته صامت، هذا كان مؤشرا فاضحا على الخذلان لا شك في ذلك. لم أستغرب هذا إطلاقا وتوقعته، ولم أشعر حتى بخيبة أمل، لأنني لا أعول عليه بشيء، فمرّ كذبابة طنّت وتلاشى صوتها في فراغ الصوت المعبأ بصراخ أطفال غزة الذين ضحك السيد على أهلهم بطائفة من الآيات التي رآها أعظم هدية لهؤلاء الضحايا. ظننت للحظة أنه في مقام النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تنزل الوحي عليه وأخذ يبشر الشهداء بالجنة. إنه الاستحمار بعينه يا سيد حسن!

عوضا عن ذلك، لم أحفل بهذه التلاوة غير العطرة لسورة حسن اللاحسنة، وذهبت لأستمع إلى أدونيس في لقائه الموسع مع الإعلامية رابعة الزيات في برنامج حكايتي، في هذا اللقاء الممتد إلى ما يزيد عن ساعتين كان أكثر فائدة من خطاب تضليلي مراوغ. ذكرني خطاب سماحته بقصائد عباس لأحمد مطر، ومنها هذا المقطع الدال على ما نحن فيه بالضبط، وينطبق ليس على سماحته فقط، بل على كل الحكام والأنظمة التي تراقب وتدعو علينا بشغف الكافر المتشبث بأصنامه لننهزم في غزة شر هزيمة، لهؤلاء العبابسة كتب أحمد مطر:

لملم عباس ذخيرته والمتراس

ومضى يصقل سيفه

عبر اللص إليه، وحل ببيته

أصبح ضيفه

قدم عباس له القهوة، ومضى يصقل سيفه؛

صرخت زوجة عباس: أبناؤك قتلى، عباس

ضيفك راودني، عباس

قم أنقذني يا عباس

صرخت زوجته: عباس، الضيف سيسرق نعجتنا

قلب عباس القرطاس، ضرب الأخماس بأسداس

أرسل برقية تهديد

فلمن تصقل سيفك يا عباس؟

لوقت الشدة.

هذا عباس غير عباسنا، لكن نبوءة الشاعر الغيبية جعلت العباسين ثلاثة بعد العباس الثالث سماحة السيد. بل إنهم اثنان وعشرون عباسا ويزيد، كلهم لا خير فيهم سوى أنهم مع العدو علينا.

أعود لأدونيس ومقابلته مع الزيات. سمعته جيدا جدا. كثير مما قاله لا جديد فيه، لكن ما استوقفني وله علاقة بالحرب ودور الأدب في الحرب، رأيه في أشعار أحمد فؤاد نجم السياسية التي لم يعد لها أهمية سوى الأهمية التوثيقية، بمعنى أنه لا قيمة فنية لهذه الأشعار سوى أنها تُقرأ في سياق التاريخ الذي قيلت فيه، وكذلك أشعار محمود درويش في مرحلته الأولى، كما حقّبها أدونيس في حقبتين، وكذلك أشعار نزار قباني السياسية. ثمة وجهة نظر لأدونيس حول الشعر وكيف يكون. لا شأن لنا بها الآن، إننا مشغولون بما هو أهم، الإنسان الذي هو أهم- كما يقول أدونيس- من الدين والفكر وأي شيء آخر.

يعيدني قول أدونيس إلى ضرورة تأكيد أهمية دور الشعر السياسية، صحيح أنني كنت أميل إلى رأي أدونيس كثيرا بل من أنصاره في النظر إلى الشعر السياسي، وبيّنت ذلك في كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية” وأعدت تأكيده في كتابي المخطوط “نظرات في التجربة الشعربة”، لكن لا بد من أن يحمل الشعر الحربي السياسي وجهة نظر قائليه، بل أكثر من ذلك، ففي الحروب الوجودية الطاحنة لا بد من أن يتوجه الشعر إلى المعركة ليقول مقولته الصارخة، ويسجل الموقف حادا شجاعا واضحا لا مراوغا أبداً. هذه النقطة بالذات لم يتعرض لها أدونيس، ولم يتحدث عن الشعر في المعمعة، بل يقيّم الشعر السياسي بعد فترة من إنشائه، وحاولت المحاورة رابعة الزيات أن تشرح- بخجل كبير- وجهة نظرها في حضرة الشاعر والناقد والمفكر العربي العالمي أدونيس.

نحن الآن في معركة، ومعركة لا تُبقي ولا تذر، وتهدد وجودنا وكياننا، ومهددون بخطر الإزالة عن الخريطة السياسية المحلية والإقليمية، فكيف سيكون الشاعر في هذا الظرف، وأي كلام سيقوله. ربما عليه أن يصمت خير له من أن يبدو ساذجا وأبلهَ وأهبل، وهو يصطنع شعرا مواريا؛ لا يدعر الحقيقة بمخراز الكلام الحاد. هذا ما يجب علينا أن نفعله. أما أدونيس ورأيه فهو لمن يسعى في خيال الشعر الذي ليس له علاقة بهذا الواقع المحترق. ومن أجل الحق والحقيقة أقول إن هذه المقابلة كانت قبل الحرب الأخيرة، لكنني أنا من يعيدها لتقرأ في سياق الحرب، لأن المنظر الفكري والنقدي عليه أن يكون أكثر اتساعا في الرؤيا، فلا يرى السياق العربي خالصا من شوائبه ومصائبه لأحاكم الشعر بروح نقدية خالصة كما يُحاكم الشعر الفرنسي على سبيل المثال. بل إنني متأكد لو حدث في باريس ما حدث في غزة لرأيت الشعراء فيها يكتبون الشعر بلغة وإيقاع مختلفين عن ذلك الشعر الذي كتبوه أيام الكسل الفكري، والهدوء السياسي.

من أجل هذا الواقع الذي تزداد فيه الوقائع بلاغة في هيمنتها على الشاشة والرؤيا والرؤى والمصائر كلها لا ينفع أن يتفلسف النقاد علينا نحن أبناء الحرب. وعليه فإنني كشاعر يعيش ظرف الحرب سأكون سياسياً بامتياز، أحمّل الشعر وجهة نظري السياسية ضد السلطة السياسية والأنظمة الحيادية والمتواطئة، وأعرب عن موقفي من المقاومة، ومن أشياء كثيرة في الحياة السياسية في فلسطين، فأدب الحرب هو بحد ذاته موقف سياسي، لا يحمل وجهة نظر سياسية فقط. هذا ما يجب أن يلتفت إليه النقاد في ظل هذا الظرف العصيب من حياتنا الشخصية الوجودية قبل الحياة السياسية.