الوطن، العرائش، فلسطين، اللغة العربية، العروبة.. عشق لا ضفاف له

في “جدائل الريح” للشاعرة زهرة أحمد بولحية

 

الشاعرة زهرة أحمد بولحية من مدينة العرائش، مدينة التاريخ العريق. مدينة الحقب الأربع؛ فينيقية وقرطاجية ورومانية وإسلامية، كما قال أحدهم. لا تزال المعالم التاريخية شاهدة على كل حقبة. وهي مدينة الجغرافيا تقع بالقرب من مدينة لكسوس ونهرها. إنها جوهرة المحيط الأطلسي. إنها مهوى كبار الكتاب و مرقد بعضهم كجان جينيه، و غويتيسولو عاش بمراكش وأوصى أن يدفن بجانب صديقه. وبمدارسها تعلم محمد شكري بعد بلوغه سن العشرين. وهي مدينة عبد الصمد الكنفاوي الذي منحها شهرة واسعة لدى عشاق الفن المسرحي.

الشاعرة باقتدار الكبار استطاعت بشاعرية أن تتغنى بمدينتها في أكثر من قصيدة من قصائدها السبعة والخمسين على امتداد قرابة مائة وستين صفحة، متمثلة كل ما سبق ذكره وأكثر. نقتبس منها هذه النماذج على سبيل التمثيل. فبعد رثاء حالها اليوم، عقب تغريب العمران لمعالمها مقارنة بوهج ماضيها تقول “يا زينة البلدان ،، يا معشوقة البحر ،، ،، وكانت من حدائقك الغناء تنسج الأساطير ،، ألوان ،، ،، فتحلم الطرقات بالمساء ،، والعصافير تعود ،، من رحلتها ،، ،، يا عرائش الخيرات ،، منك المعمار استلهم ،، أصالة البنيان” 139

وبفنية عالية تحيل على عراقتها باستلهام إحدى الأساطير المرتبطة بالمدينة، مفادها أن هرقل جاء لقطف التفاحات الذهبية من حدائق الهيسبيريدس، فصده تنين مخيف كان يتولى حراستها. تقول “من ربى هسبريديس تشرقين ،، كل صباح ،، ترعاك عيون الوديان ،، لما هرقل طمع في قطف تفاحك الذهبي ،، صده التنين ،، فكانت معركة بلا نيران ،، ،، يا مدينة الأحلام ،، ومنذ ذاك الحين وأنت الحرة ،، وأنت معزوفة تشتهي بوحها الظلال” 139

في قصيدة “أرصفة الموج”، أضفت على مدينتها الكثير من صفات الأنسنة، إذ جعلتها تغط في النوم وتستفيض في الأحلام وتستفيق مذعورة وتئن “تفيق على وقع جرار ،، يحدث هديرا ،، ،، جاء ليجتث جدور السنديان ،، ليقتلع الآبار ،، ويقيم اسمنته المستعار ،، المدينة تنوء” ولهول ما أصاب مدينتها تختم قصيدتها بما هو أشد على النفس، “حتى الاستعارات غاض ألقها ،، وغربت ،، كما تغرب شمس النهار“7-8. ولأفضالها الكثيرة عليها، فإنها تدين لها قائلة في ص25 “لك بوصلتي تدين .. بالوصل ،، ديدنها الوفاء يا تحفة النظار“. ولم يفتها أن تذكر بجمالية كل ما يرتبط بها وخاصة بحرها بأمواجه الهادرة، ونوارسه الناعقة، ورماله الذهبية. تقول في ص 60،

ثاو على صم الرمال والبحر مني قريب ++ أسمع له رهجا في الفؤاد و وجيب

عشرات الصفحات تتغنى بالبحر. فذكره لافت تصريحا أو تلميحا بما يرتبط به، من أمواج ورياح ورمال. كيف لا وهي التي كانت أولى رشفة من كأس الحياة الدنيا كانت على أنغام صوت موجه؟ كيف لا وهي تنام على جماله، وتستيقظ عليه؟ في موضع آخر تقول، “وموج مسافر ،، ،، في سحرهما الموج ،، تل ذهبي ،، ينقش جمال بلقيس ،، على رمال الصحاري“21

وقبل رثاء مدينتها على ما آلت إليه مقارنة بزمنها الجميل خضرة وهدوء، كانت لها وقفة آية في الجمال مع وطنها بقصيدة غنائية، مذكرة بجمال طبيعته وبطيبة أهله وبمجد تاريخه. كلها عوامل تغيض الأعداء، تقول عنه في ص127”شامخة ،، تلامس الشمس رباك ،، من عهد الأجداد .. إلى الأحفاد ،، ،، أرض العطاء ،، كيف يتدلى من سفوحها السخاء ،، وديانا ،، وكيف الصحراء ،، تزينت .. بحقول القمح ،، والخضرة صارت ،، مألوفة العين .. من ذرا المغرب ،، نربي في الضيف ،، عادة الرجوع ،، وحب العودة إلى ربوعك ،، ،، وفي حضن .. رحيب ،، يهتز عطف الثرى لمقدمه ،، وتزغرد .. حبال الخيمة والأوتاد ،، ،، بوصل المحبة تشيد ،، وبحبه لك يغيض الأعادي ،، يا بلادي”. وفي قصيدة جميلة أخرى بعنوان “موطني” ص44 تقول، “موطني .. جمال السهل ،، وجمال الرمال ،، كتبان تلوح كسحر .. الخيال ،، في دفئها عافية ،، للزائر إذا عز الدواء ،، وعز الشفاء“، مشيرة إلى ما يعرف بحمامات الرمال بمرزوكة. وتضيف قائلة بنفس القصيدة، تعدد مزايا وطنها قائلة “يا وطن النجوم ،، صرحك عال ،، مفتول من حديد ،، وركنك الحجر ،، ،، مهما تطفل الأعداء ،، منصورة يا بلادي ،، يا أم الرجال ،، ،، تجندت خدود الأطلس ،، وكل السهول وكل الجبال ،، مشرق الأنوار يا وطني ،، ومنبت الأخيار“.

لم يفتها وهي تعدد مناقب وطنها وأمجاده، أن تعرج على قضية المغاربة الأولى، لتذكر بمغربيتها؛ تاريخا وجغرافية وواقعا. منها انطلقت كبرى الامبراطوريات المغربية لتنشر السلم والأمن والمحبة بجنوب المغرب إلى تخوم السودان وشمالا في البلاد الإيبيرية، “صحرائي امتدادي ،، أرضي وأرض أجدادي ،، صحرائي انتمائي ،، ،، يا مهد الأسلاف ،، والأعراق ،، منك تفرقت الجيوش ،، لتنشر المحبة ،، بين الأمم ،، وتنشر السلم في الجنوب ،، وفي إيبيريا الغناء ،، ،، بشهامة العظماء ،، ،، تاريخنا فخرنا ،، ،، تسكنين جوف القلوب ،، وصوت الشعر ،، يزهو في مداك .. كزهو بلقيس ،، في شعر دفاق” 148

وكجل الكتاب المغاربة والكاتبات وككل أحرار العالم وحرائره، لا يمكن أن يصدروا منجزاتهم الأدبية شعرا أو نثرا، بدون التعريج على فلسطين المغتصبة ضدا على التاريخ والجغرافيا والمواثيق الدولية والمعاهدات، تقول في قصيدة “أنا فلسطين“، مذكرة بغطرسة الكيان الصهيوني المحتل وما يرتكبه من مجازر في حق الفلسطينيين، لا يميز بين كبير وصغير ممثلا في الطفل الشهيد محمد الدرة (عام 2000)، ومذكرة بأن قضيتها ليست قضية الفلسطينيين لوحدهم. إنها قضية أمة باستعمال ضمير الأنا دلالة على الانصهار الكلي في الموضوع. هؤلاء هم المغاربة وعلاقتهم بفلسطين على درب الأجداد من زمن صلاح الدين، لا يزال إلى اليوم “باب المغاربة” شاهد على هذا التاريخ العريق. تقول، “أنا كل الوجوه ،، أنا الدرة ،، أنا فلسطين ،، اثنان نحن ،، نستدرج الأماني ،، نصنع من النصر شارة ،، بوشم عربي ،، وألوان لا تستقيل ،، لا تسأم الليالي الخماص ،، تنسج من خيوطها ،، بساطا ،، وتفترش أهذابها ،، سفوحا للعين ،، أنا الخط العالي ،، أناملي منبت الأغاني ،، أنا سيدة العصور ،، أنا نجيع الشمس ،، أنا فلسطين” 129.

وتبقى اللغة باعتبارها أهم مقومات اللحمة الوطنية الخيط الناظم للأمة العربية و الإسلامية، كان لا بد أن تؤكد عليها وتذكر بمجدها التليد ضد من يسِمُها بالعقم. يوم كانت لغة العلم والمعرفة والفكر من طب وجبر وهندسة وفلسفة. إشادة ممزوجة برثاء حالها اليوم تقول في قصيدة “أنا العربية“، بفنية عالية أدمجت بين سطورها بيت حافظ إبراهيم الشهير عن غنى العربية وثرائها، ص 136،”أنا العربية ،، أنا الشعر أنا الحكي ،، أنا وهج الليالي ،، ،، في مهد الأجيال .. أتهادى ،، وفي رحاب الفكر ،، أتشاذى ،، أنا البحر في أحشائه الدر كامن ++اسألوا الغواص عن صدفاتي ،، متى أنتزع موقعا لي ،، في عولمة المجهول ،، متى أكتسي بحلة العلوم ،، ويشرف بي الضاد ،، وأحيي عهد المصادر ،، أرقام .. وجبر وطب وحسابات كنت مهدها ،، ومني اللغات كانت تغار ،، وتغامر ،، أنا الضاد المعجز ،، أنا أم المنابر”.

كما لم يفتها وهي في حضرة العربية، أن تتغنى بالعروبة وتنادي قائلة في ص150“أيها العربي كلي كبرياء ،، ومن شامتي نخيل ،، زرعه نداء ،، قطوف دانية ،، للساري في الليلة القمراء ،، ولكل المغتربين ،، على خطوط الطول وخطوط الرجاء”

الشاعرة زهرة في خضم هذه الهموم الوطنية والقومية، أجادت بشاعرية لا تخطئها العين في التعبير عن همومها الذاتية كإنسان أولا ثم باعتبارها امرأة لا تزال تصارع من أجل إثبات ذاتها و نيل حقوقها كاملة “فما ضاع حق وراءه مطالب”. تدعو كل امرأة في قصيدة قوية المعنى و جيدة السبك والصياغة، “كوني كما أنت” لترفع رأسها عاليا متحدية كل الكوابح التي لا تزال تعيقها عن الانطلاق و الانعتاق. لوحدها هذه القصيدة تحتاج لوقفة خاصة بها، تقول “كوني امرأة ،، كوني عاصفة ،، في وجه العصور المظلمة والظالمة ،، تحرق اليابس ،، والقفار ،، كوني كما أنت ،، طبيعية مزمجرة حينا ،، وحينا ياسمين وأزهار .. ،، كوني شهدا ،، ،، كوني وابلا .. لتجاعيد الإعصار ،، كوني .. سفينة حالمة ،، ،، كوني لونا ،، كوني غيما ،، كوني وبرا يدفأ به المسافر ،، ،، كوني كما أنت ،، خرافية .. الظلال ،، إذا تناثرت ،، تستعمر كل المساحات .. والأقطار“38

وعلى هذا المنوال من جمال القول و قوة المضمون، سارت الشاعرة في كل قصائد ديوانها. لنتابع معها هذه الصور البلاغية البديعة، وهي تحن إلى الماضي الجميل تقول في ص143 “كانت النور يشرق من تنورتي ،، وكان وجهي ضياء ،، كانت النجوم قريبة ،، ألمسها بساعدي.. فتتحول أنشودة ،، تتحف المجلس بالغناء ،، كان الظلام بعيدا ،، أراه تحفة في المساء ،، وكانت وكان وكم كنا وكنا“.

الديوان حافل بالصور الفنية رغم ما يخيم على معانيها من قتامة، ينم على علو كعب الشاعرة تقول “لعل الأقدار تحملني ،، محمل الفراشات ،، تحوم حول الضوء ،، ولا يصيبها احتراق” 90. أوجاع و معاناة و نحيب و أحزان وجراحات عميقة تقول “في دفتر النسيان .. دفنت جرحا ،، لا تغسله الأمطار ،، تركته وحيدا تعيث فيه الرياح ،، تقلبه ،، حتى يذبل فتبتلعه القفار“.

الخيانة ما أقساها على النفس، وقوة الشعر أن يجد فيه كل قارئ ذاته يعبر بكلماته عن همومه “سميتك قلبي ،، ومنحتك عمري ،، وأسكنتك شغاف الروح ،، ولكنك .. خنت ،، وهجرت دفاتري وقفاري” 96

صور بديعة جديرة بالتأمل، بلغتها الانسيابية الرقراقة، وبانزياحيتها المقدرة بلا إفراط ولا تفريط، كما نجد لدى البعض يجعل  المعنى مبهما مطلسما، وكأنه يكتب لذاته. لنتابع معها هذه السطور ص 32″يا معذبتي ،، كل الأشواق .. جربتها ،، كل الأسواق .. جبتها” وتقول في موضع آخر “ذات لقاء ،، تحملت كل المشاق ،، ووقفت أمام المرآة ،، أتجاهل تجاعيد حبر رسم قلبا جريحا“41

الديوان حافل بالتشبيهات والاستعارات والكنايات، موظفة توظيف المتمكن من صرة صنعته تقول في ص80 “خبئيني يا رياح المساء ،، خبئيني ،، وفي لب عينيك انشريني ،، انثريني كوشاح ،، كقصيدة حبلى بالأفراح ،، خبئيني من وساوس الليل ،، ومن عواصف الرياح” ولنتأمل هذا التشبيه البليغ “كوجه طفل صغير ،، لم تعركه التجاعيد“79، ولنتأمل معها هذه اللوحة وكأنها مرسومة بريشة دقيقة “وعلى جدار قلبي الملسوع ،، تنام الأحلام موجوعة ،، أثخنتها الجراح .. وأذابها الحنين“15

ويبقى الديوان بما يزخر به من جمال مبنى وعمق معنى مفتوحا على قراءات متعددة من زوايا مختلفة وبمناهج نقدية أخرى؛ نفسية أو اجتماعية أو بنيوية أو تاريخية، أو غيرها. والجميل في الديوان أنه مع الألم المستشري فيه، لم تغب عن الشاعرة بارقة أمل، فتقول مبشرة، “غدا نشعل أغانينا ،، ونشعل المدافئ ،، فنكسر شوكة اليوم الحزين” 106-107