إلى معلمي الحبيب

إبراهيم يوسف

“قادني إليك قدر

وسرقك مني آخر

وبين القدرين فقدت قلبي”

مي زيادة

يقول مولانا جلال الدين الرومي عن رفيق روحه  وصديق رحلته شمس التبريزي: “وجدت شمسا في نفسي مشعة كالقمر”.   وأنا من خلف الرومي أردد الصدى في أذن الكون : “وجدتك يامعلمي في نفسي مشعا كالبدر”.

 

معلمي الحبيب:

“معلمي” اللقب الذي تحب أن أناديك به، سلام عليك وعلى روحك الشفوقة الوضاءة وبعد،

ماذا أقول..؟ ومن أين أبدأ..؟ وذكرك يسوق الدمع الى العيون، يموج في صدري فيغرقني في لجة من الأحزان، يقذفني إلى غياهب الوجد وشطآن الحنين، أنت القريب من قلبي وفكري ووجداني، وأنا تلميذتك وطفلتك المدللة والأثيرة.  أخط إليك صوراً من قلبي المتألم وأكتب اليك كلماتي المرتعدة، كل كلمة منها تتنهد وتبكي،  فما أصعب الموت والنسيان.

 

بعدك صعب وفراقك موحش، وكل ما أقوله اليوم وسأقوله غدا وبعد الغد..؟ يبقى قاصراً عن التعبير وأقل مما يفيك حقك، وما في خاطري وعمق وجداني من الحب والمودة  الخالصة والاحترام الشديد.

 

فراقك اجتث من فؤادي جذور زهر  نضرٍ فواح نما حبا يوم بعد يوم، أنساني لون خمائل الربيع وأسكنني دياجير الغسق.  الليل أرخى سدوله على لب قلبي حتى صار رقعة سوداء، واستوطنت روحي غيمة قاتمة خالية من المطر، لأبقى وحدي في مركب الأسى أواجه  الأمواج العصية.

 

وبمَ أصفك “ياقلباً يتسع العالم”  وكل معاني الإنسانية تنطق حروف اسمك؟  ومن منا لم يهوَ ذاتك النقية الصافية، ويعتز بمعرفتك ويذوب عشقا في شعرك أو مقالاتك؟ لكن من منا يامعلمي يعرف جيداً سلامة روحك الشريفة الطاهرة  كالملاك، التقية كالأنبياء، ويبصر نقاء جوهرك والنور الهادئ الصافي في عمق عينيك الدافئتين وقلبك الرحب رحابة سموات الله..؟ وأفخر أنني أكثر من  تعرَّف إلى حقيقة روحك الطيبة الشفافة ودماثة خلقك وعمق عمق أسرارك، ووجدت فيك مالم أجده في غيرك، أنتَ الإنسان المترع بحب الله والبشرية جمعاء “بلا عنصرية أو تعصب”، الممتلئ بالفضيلة، صديق صادق للجميع من مختلف الأديان والطوائف والأعراق والبلدان، وفيّ ومخلص، رقيق الحاشية، حساس وعاطفي، يتدفق قلبه خيرا ونبلًا وطهارة، وتنضح روحه بالتسامح والتواضع.

 

كريم النفس شريف الضمير، سخي كشجرة مثمرة سامقة تعانق النسيم والعبير، مؤمن بالمثل العليا، أصيل وشامخ كأرز لبنان، شغوف بالحياة والطبيعة وكل خلق الله، وناصر للإنسانية وسط هذا العالم المتهالك الغارق في المادية والعنف و الاضطراب.  وأشهد للحق وبدون مبالغة أو مجاملة أو تزييف أنني لم أرَ إنسانا أرق وأطيب قلباً منك، أجزل عطاء وأكثر عطفاً، داعماً وسنداً ويداً فاضلة ممدودة بالخير للجميع.

 

أنت معلم استثنائي نادر، مختلف الأسلوب، قادم من الزمن الأبيض النقي البهيّ بهاء وجودك في حياتي وحياة معظم من عرفك أو تعامل معك، وأنت كتاب ثمين من الحكمة المتلألأة، واضح في أفكارك ومبادئك، أحبك واحترمك جميع من عرفك، وهذا مالا يحصل إلا للقلوب العظيمة النادرة، ندرة الغدير الصافي في الصحراء.

 

نبع ثقافي لا ينضب وكاتب محترف قوي البيان، ذو قريحة حادة، بارع في التصوير، تصوغ المعنى بألف صورة مدهشة. مبتكر بديع، تنظم الفكرة بتعبير رفيع وكلام مجيد، وتقدمها كؤوس خمر تسري في العروق فتلهب الخيال وتبهج النفس وتنتشي لها الحواس.  منارة تضيء الدرب للجميع، تُقوِم اعوجاج الحروف بحرفية ومهارة، تبدي آرائك بصدق وشفافية واحترام، و توصل رسالة نقدك البناء دون خدش للمشاعر أو أي تجريح.  فهل قلت لكَ يوماً أنني معجبة بمعظم ما تكتب؟   وأليس حقيق  بمن هو مثلك أن يذاع صيته في كل مكان ويعلو اسمه ويقدر؟

 

معلمي الحبيب:

وكأنني أرى سراج طفولتك البريئة يسطع من أرض شمس طار، الأرض التي أنجبتك، ولأجلك  أحببتُ تربتها الطيبة وهواءها العليل ومائها الصافي وتمنيت زيارتها والسهر برفقة أنغام لياليها المقمرة. وأراك أمام عيني تكبر يوما بعد يوم لتتعلم ثم تعمل في شركة للطيران، رحلت شرقا وغربا و وأوليتَ اهتماماً وعناية بالفنون وقراءة مختلف أنواع الكتب الثقافية والأدبية، وحكايات الأساطير القديمة الأخاذة المجنحة بالخيال، المتبخترة كعروس فاتنة، ثم بكتابة النثر والشعر في عدة مواقع إلكترونية، منها “الروافد” الموقع الذي أسستَه و بذلت مجهودًا  كبيرًا وهمة عالية في إدارته، وتعبت كثيراً في الاهتمام والعناية الفائقة بالمواد المنشورة فيه, في التدقيق والمراجعة، وتصويب أخطاء اللغة والنحو والهفوات الإملائية، وإعادة صياغة  الجمل إن لزم الأمر.  الأمر نفسه في التعاطي مع التعقيبات الواردة على النصوص والردود عليها.  أديتَ الواجب بأمانة وإخلاص شديدين لتخرج المواد المنشورة فيه في أحلى وأبهى صورة، وتحظى الروافد بمكانة مميزة ومرموقة بين المجلات والمواقع الإلكترونية، فترضي وتلبي حاجات القراء ومحبي الأدب والثقافة عموما.  وأمام كل هذا الجهد المبذول؟ لم تنل أي مقابل، لكن جهدك لم يذهب سدى فقد  فزت بمحبة الآخرين واحترامهم وتقديرهم الشديد لك.

 

وتمر السنوات تمحي الأيام بعضها بعضا، تحفل بالعديد من الأحداث الحلوة والمرة والتغييرات الغزيرة، والأوقات التي لا تكاد تخلو من الصعوبة والتحديات وهبوب العواصف العاتية، حتى شاءت الأقدار واختبارات الحياة التي لا تنتهي لنا أن ينزع المرض عنك ثوب العافية ويضعك في موضع جديد، ومع ذلك ..؟ كان إصرارك عنيدا على مواجهة الداء بالمداومة على الكتابة وإدارة الموقع بالقدر المتاح “وحتى النفس الأخير”،  ويتصاعد من أغوارك الشكر أريجاً  لمحبة و اهتمام الآخرين وسؤالهم عن أحوالك، حتى اشتد عليك المرض وتفاقمت متاعبك  الجسدية والآمك النفسية، ويا ويح نفسي..! ما أشد حزني لحزنك ووجعي لوجعك.. ألم يكن من الإنصاف يامعلمي أن نتقاسم ونتشارك الآلآم الجسدية كما نتشارك آهات النفس المكنونة والآم الروح العظيمة لنستكمل سيرنا في درب الحياة جنباً إلى جنب وقلباً على قلب..؟

 

مرت الأيام معك كبسمة خاطفة حتى غادرتنا، رحلت عن الدنيا بعد صراع مع المرض، وتركت من خلفك إرثاً طيباً غزيراً بالثقافة، غنياً بالحب والأخلاق الرفيعة السامية، ومدرسة عريقة نننهل منها العلم والأخلاق، ومن عالمك الزاخر نقطف أمنيات النقاء والسلام، وفي أعماق نفسي..؟ تركتَ لي الآم فقدٍ لا دواء لها ولا علاج، وأبقيتني أتهجى حروف حنين لا يضعف ولا يخبو.

 

معلمي الحبيب:

أدين لك بالكثير، ولك فضل عليّ و على الجميع، وكنت لي خير عونٍ وسندٍ حتى آخر  أيام حياتك.  مازالت  كلماتك في ذهني، فصوتك عطر شذا يتغلغل كل حواسي، لا يعلوه صوت ولا يمحوه الزمان.  وكل الكلمات والأوصاف عنك ليست من وحي الخيال، لا…وليس لإن عين المحب  المخلص ترى الكمال والجمال كما تقول..؟ ولا حتى لتحمل ملائكة السماء كلمات الثناء إليك فتشعل فيك فتيل الخمر و السحر، لا وأنت الأكبر من كل الكلمات، بل لأنني أرى فيك ما لا تراه، وأبصر بجلاء عمق قلبك الواسع كما تنظر إلى وجهك جلياً في المرآة..ولإنها الحقيقة كل الحقيقة.

 

 

معلمي ..ياروح ورد الندى:

أفتقدك  لوعة وحسرة، يغلبني سلطان الشوق والحنين. ستبقى دوما في قلبي وذاكرتي، وسيبقى طيفك رفيقي وسندي، نديمي وملاكي  في كل أيامي، يغمرني بفيض من الوداعة والمحبة والأمان.  وكلما بث القمر أنفاسه في صدري وصافح الفجر بؤبؤ عيني، سأجلس في محرابك لأقتبس من فجرك نهاراً لأيامي، ومن ليلك نجوماً تضيء دربي.

وفي شدة افتقادي إليك  سأحث  الخطى إلى روحك الكبيرة أنصت إلى تعاليمك وأصغي إلى حكاياتك وأفخر بك.  وفي وحدتي وخلواتي سأتأمل عينيك الحنونتين تبتسم وتحنو عليّ، توجهني أو توبخني، تعاتبني أو تغفر لي.  وكلما أثقلت الأيام ظهري سألوذ إلى حِمى قلبك الكبير أبثك الآمي وضعفي وضلالي، أبكي  أمامك بلا خجل، لتكفكف عيني الباكية وتمسح عن روحي القذى وتجبر قلبي الكسير.

 

معلمي الحبيب:

ستبقى في ذاكرة القلب والفكر والروح، في وجيب قلبي والحنايا، وستبقى في  أعمق نقطة في القلب أجمل صورة تولد في أحلى الأحلام، وزهرة فردوس خالدة النضرة والنداوة، أتنفس شذاها فترعاني وتعلمني وتلهمني، توشوش في أذني بالأسرار و تفتح لي ألف  باب  وباب. ورغم كل المسافات ستبقى الأقرب ..أنت الذي  منحتني  ما عجز عنه كل العالم.

 

معلمي يا أرض الشمس وكوكب النور

وعطر الخزامى والبنفسج:

سامحني على هفواتي وزلتي وتقصيري في التعبير أو اللغة، فلربما كان صمتي أبلغ من الكلام.  هذه رسالتي بين يديك، ولن تكن الأخيرة إن كتبت لي الحياة عمرا طويلا، هي قطرة من بحر محبتي لك وبعض مافي جعبتي والآخر أحتفظ به في قلبي فلا أبوح به

.

معلمي يانور عيني:

لتنم قرير العين مع القديسين والطاهرين الأبرار، تهدهدك رفيف أجنحة الملائكة وتحرسك عين الرب التي لا تنام.

 

تلميذتك المحبة والمخلصة لك للأبد.