أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / الأعمى …2/ بقلم: شارا رشيد

الأعمى …2/ بقلم: شارا رشيد

الكاتبة والتشكيلية شارا رشيد

الأعمى …2/ بقلم: شارا رشيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم تكن مواهب (الملا محمد) ومعرفته لأصناف الطيور والكناري وأحساسه الرهيف بأصواتها وعاداتها وطرق عيشها واختلاف ألوانها، سبب دهشة أهل المدينة، أنما كثرة الحكايات العجيبة الغريبة التي كانت تروى عنه، وصارت تتنقل بين الناس بلا أقدام، وتدخل البيوت بلا استئذان. لم يعد التعجب نافعاً لسبر أعماق دهشة الناس لما يسمعونه ويلمسونه بأنفسهم، فهو يعرف الزائر من طرقة بابه، ونوع العربة التي تمر في الشارع من صوت محركها، يعلم وقت شروق الشمس وأوان غروبها، متى تتفتح أزهار حديقته، وكيف يتغير لونها ومتى تذبل، وهل في السماء غيوم، ومتى تمطر.

ومازال الناس يتذكرون ظهيرة يوم مشمس حين عاد الملا الضرير مسرعاً إلى بيته، فسأله سائل عن سبب استعجاله، رد عليه: ستمطر بعد دقائق. وأمطرت ما يذكره الناس بـ (مطره الملا محمد). كان في وقت فراغه وخلوته يخيط ما تفتق من ملابسه، ويرتق بعضها.  أصبح الرجل الضرير ظاهرة مثيرة للعجب، وقدراته على تمييز الأشياء ووصفه لأشكال الناس وألوان بشرتهم وما يضمرون في قلوبهم محور أحاديثهم في المقاهي.

حدث أن زاره في يوم من الأيام  ابن أخيه الوحيد مع خطيبته التي أعلن خطبته لها قبل أيام قلائل لينعم ببركة عمه ُ وينال رضاه … دخلت الخطيبة بكامل أناقتها ، تقبل يديّ زوجة العم والعم الضرير، وتسلم على الفتيات مزهوة بنفسها وحليتها، وقد بدى عليها شيء من الغرور والتعالي، وقد غطت وجهها بمساحيق فاقعة ، لم تخفِ تماماً ما تركه حَب الشباب من آثار عميقة وألوان كالحة عليه… جلستْ إلى جانب خطيبها ترتشف عصير البرتقال بروية، وتمعن النظرفي الرجل مضمحل العينين الذي أستقبلها بجبته المكوية بعناية فائقة زادتْ من وقاره، ينتعل “كيوة” من (هورامان)  نظيفة  ناصعة البياض،  تنم عن ذوق رفيع واهتمام شديد بحسن مظهره. الملا محمد نموذج لأناقة روحية متواضعة، تعلم التغريد من البلابل.

سرحتْ الخطيبة تفكر في طبيعة العلاقة التي ستجمعها بعائلة لطالما كان ربها حديث الناس وموضع تساؤلاتهم، وما الذي يمكن أن تقوله لرجل ضريرأمضى عمره لا يرى من الدنيا سوى الظلام، فأغراها حالها وقالت موجهة كلامها لزوجته المشهورة بجمالها وحسبها ونسبها العريق وتواضعها الجم:

ـــ  من المؤسف حقاً أن لا يرى الـ “الملا محمد ” كل هذا الجمال ! .

ـــ أنه يرانا  بعين القلب .

ـــ تعنين أنه الآن يراني!

تدخل خطيبها سريعاً ليغير مجرى الحديث وينهي الزيارة بالاستئذان، وقف الملا محمد وأخذ أبن أخيه جانباً وقال له بهمس مسموع:

ـــ بئساً لك، أما وجد ت غير كتلة الطين اليابسة هذه!

لم يمض أسبوع حتى أُعلن عن فسخ الخطوبة.

 

 شارا رشيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأعمى …1/ بقلم: شارا رشيد

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.