أخبار عاجلة
الرئيسية / واحة الفكر Mêrga raman / قصة / الحصار…/ مريم بغيبغ

الحصار…/ مريم بغيبغ

مريم بغيبغ

 

 

 

 

 

 

 

الحصار…

بقلم: مريم بغيبغ

ثامر الصغير وحده لا يعرف ماذا يجري في الخارج، يظل غارقا في تأملاته الطفولية، داخل غرفته الضيقة فمنذ إغلاق مدرسته وأنامله الصغيرة تداعب كراسة الرسم، يرغب في رسم شيء ما، لكنه احتار في اختيار الألوان… اشتاق إلى رائحة الطباشير ورنين الجرس ورفقة أقرانه، لم تعد حياته كالسابق يبدو أن هناك أمر ما لا يعرفه.

أجهش بالبكاء، لم تعد الألوان تغريه كالسابق… يريد أن يعرف ما الذي يحدث في الخارج؟  فأبوه لا ينهض من أمام التلفاز يبدل القنوات ولا يكلم أحد، حتى أنه أصبح لا يناديه لمشاهدة الرسوم المتحركة والثّناء على رسوماته الجميلة… أما أمه فتظل غارقة في السجود والدعاء والتفكير وقد زادته اهتماما أكثر من اللازم…

كانت خطوات ثامر تنتقل من مكان لآخر غارقًا في تأملاته التي طالت… استدار إلى أمه ينظر إليها بفضول زائد:

ما بك يا ثامر ألم تعجبك ألوانك الجديدة؟

تتقدم نحوه لتطبع على خده قبلتها اليومية، يسلّمها خده دون حرارة كأنه تمثال حجري:

ـــــ تابع رسوماتك يا بني … أنت فنان يا ملاكي الصغير، أرني ماذا رسمت؟

يمسك ثامر الكراسة بكلتا يديه ويتمتم:

ـــــ لـم أكملها يا أمي…

عاد إلى غرفته وأسئلة كثيرة تشغل تفكيره، فقد رأى القلق الزائد ينبعث من مقلتيها، كما لاحظ احمرارهما وهي تقبله…الدّهشة تتصاعد وعقله الصغير لا يحتمل، أخذ يحدّث نفسه كالمجنون:

ــــــ لطالما كنت أجد حلا لمعادلات رياضية صعبة، وكم من مرة أثنى علي أستاذي وأمر زملائي بالتصفيق على إجاباتي؟ ماذا حدث الآن؟

تذكر أخبار البارحة ربما تكون هي السبب، فقد تعالت أصوات والديه من جرّاء نقاش عقيم أزعجه وجعله يكابد الأرق، لأنه لم يفهم منه شيئا، تنهد بعمق…استلقى على فراشه توسّد يده اليمنى…أحس باختناق أفقده بعض الراحة التي كانت تلفّه وتبعث في أنامله حرية التخطيط والإبداع، نظر إلى كراسة الرسم مجدّدا فتحه وأخذ يخطط كالعادة…عصفورا صغيرا مكبلا بسلاسل فولاذية فجأة صاح:

ــــ وجدت الحل…

تفطّن إلى تلك الكلمتين اللتين تردّد صداهما تلك الليلة: حصار…حرب …استراح بعدها كأنه وجد موضوعا للرسم لكنه ما لبث أن عاودته حالة الاكتئاب فهو لا يعرف ما لونهما، كان فكره مشوشا…رمى الكراسة وكل الألوان على الأرض ما عدا اللون الأسود فقد أحاطه ببعض الرضى الظاهر على وجهه الطفولي، تساءل بصمت:

ــــــ أيعقل أن يكون الحصار أسودا؟

نادى بصوت صاخب:

ـــــــ أمي ما لون الحصار؟ كانت مشغولة بإعداد بعض الدقيق لسدّ الرمق الجائع…

ــــــــ ومالون الحرب؟ …لم تجبه على هذه الأسئلة بل راحت تسأله:

ـــــــ ألم تكمل رسوماتك يا بني؟ وهل راقت لك ألوانك الجديدة؟

أدرك ثامر أنها لا تريد إخباره…خطر على ذاكرته الحديث الذي دار بين أبيه ومعلمه في ذلك اليوم الممطر عندما أخذه بالمطرية إلى المدرسة:

ــــــ تبا للحصار الذي لم ينته؟

ـــــــ الحصار لن ينتهي إلا بكارثة الحرب؟

إذن كلمة حصار قبيحة، فقد سمع دعاء أمه عليه… قد يكون أسودا… أثارت شهيّة ثامر كل الألوان قد يصل إلى لون الحرب ويتحرر من هذه الفوضى، حمل الكراسة…كان عصفوره مقيّدا وتلك المساحات البيضاء تزعجه …أخذ اللون الأسود وصبغ البياض كله، تأمل الصورة لا يزال بلا أجنحة هي مبتورة إذن، قد تكون الحرب قاطعة أجنحة…سينزف الدم بعد القطع، تبسّم كأنه وجد ضالته أخذ اللون الأحمر ووضع بقعا كبيرة على جانبي العصفور الصغير…فجأة استحالت ابتسامته إلى بكاء طويل لأنه أراد أن تكون لهذا العصفور أجنحة لكي يطير.

 

عن Khalid Dêrik

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيرونيكا سوتر

فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨

​فيرونيكا سوتر تروي حكايات الأجيال في أيام سولوتورن الأدبية ٤٨ ​خاص: واحة ...

فيرونيكا سوتر

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen

Veronika Sutter erzählt Generationengeschichten bei den 48. Solothurner Literaturtagen Exklusiv: Waha Alfikir ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ٤٨

​لغة الأدب وحماية الهوية: يانا أوليندا كادوناو في أيام سولوتورن الأدبية بدوررتها ...

Gianna Olinda Cadonau يانا أوليندا كادوناو,k,

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im Rahmen der 48. Solothurner Literaturtage

Die Sprache der Literatur im Dienste des Identitätsschutzes: Gianna Olinda Cadonau im ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026 سولوتورن ...

Gabrielle Alioth طبيعة وجزر: غابرييل أليوت في أيام سولوتورن الأدبية 48 لعام 2026

Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026

  Natur und Inseln: Gabrielle Alioth bei den Solothurner Literaturtagen 2026 ​Solothurn ...

الكتابة عن الرعب غير المسمى: ندوة نادي القلم الدولي في أيام سولوتورن الأدبية 48

تقرير عن ندوة الرعب غير المعروف من د. إشراقة مصطفى ولورين سوث برعاية نادي القلم في أيام سولتورن الأدبية 48

Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner Literaturtagen 48

Solothurner Literaturtagen Über das unbenannte Grauen schreiben: Der PEN-Talk bei den Solothurner ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur ​Von: Khalid Dêrik ​Vom 15. bis ...

Solothurn 2026: Ein Gipfeltreffen der Literatur

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع

سولوتورن 2026: ملتقى الكلمة والإبداع خاص – واحة الفكر: ضمن مواكبتنا لأبرز ...

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

مُنَمْنَمَاتُ تَاءِ تَأْنِيثٍ / ريما حمزة

أنا الأُنثى، التي لا تنتظر، بل تُضيء." نصوص أدبية تُبحر في ظلال السكون ورعشة البوح، حيث تتجلى بلاغة البخور وتتوهج الأحلام في "مُنَمْنَمَاتُ تَاء تَأْنِيث". رحلة شعرية تعيد للفصول جرأتها وللغة سحرها الخاص.

من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية/ لامار أركندي

    من ذاكرة الطفولة إلى درب الصحافة… حكاية جذوري البدرخانية لامار ...

Account Suspended
Account Suspended
This Account has been suspended.
Contact your hosting provider for more information.